شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المستشرقون الجدد.. المراكز البحثية الأمريكية

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتُعَدُّ المراكز البحثية المعاصرة المنتشرة في الولايات المتحدة الأمريكية حاليًّا صورة من صور الاستشراق، فهي بمثابة امتداد تاريخي للاستشراق التقليدي الذي عرفته أوروبا عبر القرون الماضية.

المراد بالاستشراق:

الاستشراق تعبير يُراد به التَّوَجُّه نحو الشرق، ويُقصَد به ذلك التيار الفكري الذي يتمثل في الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي، والتي تشمل حَضَارته وأديانه ولُغَاته وآدابه وثقافته وأحواله الاجتماعية. وقد سَاهَم وما زال يُسَاهِم هذا التيار في صياغة التصورات الغربية عن الشرق عامة وعن العالم الإسلامي خاصة، معبرًا عن الخلفية الفكرية للصراع بين الغرب والعالم الإسلامي.

بدأ الاستشراق بدافع التَّعَصُّب الصليبي في الكتابة عن الإسلام بغرض تشويهه، ثم عَمَد المستشرقون إلى تغيير أساليبهم ليظهروا بمظهر المتجردين عن التعصب، المتمسكين بالأمانة العلمية في البحث. ورغم أن الاستشراق ظاهره في الأصل أنه حركة علمية، فإن له أهدافًا دينية واستعمارية تُعَبِّر عن الخلفية الفكرية والصراع التاريخي بين الغرب والعالم الإسلامي، إلى جانب أهداف أخرى علمية واقتصادية وسياسية وثقافية، وذلك من خلال التَّعَرُّف على مواطن الضعف ومواطن القوة لدى العالم الإسلامي، والاستفادة من ذلك في إعداد ووَضْع المخططات، واقتراح الطرق والخطط والوسائل الواجب اتباعها لإخضاع العالم الإسلامي والسيطرة والهيمنة عليه.

وقد كان فشل الحملات الصليبية المتوالية على العالم الإسلامي دافعًا للمزيد من هذا الاهتمام بالاستشراق للوصول إلى تحقيق المراد منه. وقد ارتبط تيار الاستشراق بالتبشير -التنصير- في الفترات السابقة، إذ كان المستشرقون هم طلائع المبشرين، ومن يُمَهِّدون السبيل ويُهَيِّئون الظروف لنجاح المبشرين عن طريق تشكيك المسلمين في عقائدهم، وتشويه صورة الإسلام بنشر الشبهات والأكاذيب الباطلة.

وقد اتخذ الاستشراق وسائل كثيرة لتحقيق أهدافه، منها تصنيف الكتب، وإلقاء المحاضرات، وإقامة الندوات، وعقد المؤتمرات الدورية، وإصدار الدوريات والمجلات، وغير ذلك.

ومما يهتم به المستشرقون رَصْد ودراسة كل ما يظهر من حَرَكات وتوجهات في العالم الإسلامي، ومعرفة كل ما يَجِدُّ من تطور فكري أو سياسي لدى المسلمين، وتحليله وتقييمه، ووَضْع مقترحات التَّعَامُل معه، وتقديم نتائج ذلك لقادة الدول الغربية لوَضْع الخطط الخفية والعلنية للتعامل مع هذه الاتجاهات ومُوَاجَهَتها.

المراد بمراكز التفكير:

المراكز البحثية -مراكز الفكر- المنتشرة في الغرب حاليًّا، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، هي مؤسسات تتكون من خبراء يتولون وَضْع الحلول للمشكلات المحالة إليهم، ويُطْلَق عليها مراكز التفكير أو بيوت الخبرة، وهي إما مراكز ربحية تتقاضى أجرًا على جهودها وأفكارها، أو غير ربحية تابعة للدولة -قومية-، وبالتالي فموظفوها تُعَيِّنهم الدولة.

وتستعين حكومات الدول عادة بكلا النوعين الربحية وغير الربحية في الاستِرْشَاد بتوصياتها واقتراحاتها وتوجيهاتها؛ ونظرًا لاهتمام هذه المراكز البحثية المعاصرة بالشرق، فهي تُعَدُّ وجهًا جديدًا للاستشراق القديم التقليدي، أي إنها مستشرقون في ثوب جديد.

ولا يعني ذلك أن الاستشراق التقليدي قد توقف وانتهى دوره، بل ما زال كلاهما يؤدي مع الآخر دوره الهدام المغرض جنبًا إلى جنب. وقد كان الإسلام والعالم الإسلامي في صدارة الاهتمام الغربي الأوروبي طوال الحقبة الاستعمارية، والتي امتدت لأكثر من قرنين من الزمان، ولكن بعد انحسار الاستعمار الأوروبي، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، تطلعت الولايات المتحدة لشغل مواقع النفوذ التي تخلت عنها دول الاستعمار الأوروبي القديم، خاصة بريطانيا، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى هذه المراكز البحثية لتكون هي المؤدية لدور الاستشراق بالنسبة للولايات المتحدة.

وقد خصصت الحكومات الأمريكية مبالغ كبيرة لتشجيع جامعاتها على إنشاء أقسام للدراسات الشرقية عامة والإسلامية خاصة، وسرعان ما تقدم هذا الاتجاه ليتخذ أشكالًا متعددة، منها مؤسسات ومعاهد، من أشهرها مراكز البحث -مراكز الفكر والرأي-، حيث يوجد في أمريكا وحدها نحو ألفي مركز بحثي لها نفوذها الكبير، وتبلغ ميزانياتها عشرات ومئات الملايين من الدولارات. وهناك أيضًا المئات من هذه المراكز البحثية المنتشرة في أنحاء العالم المختلفة. ويمكن القول إن ثلثي مؤسسات البحوث الأمريكية القائمة حاليًّا قد تأسست بعد عام 1970؛ أي: خلال الخمسين عامًا الأخيرة.

وقد صار بعض خبراء وموظفي تلك المراكز البحثية من الأسماء المشهورة التي تبوأت مناصب ووظائف كبيرة في عالم السياسة، وكان لها تَأْثِيرها الذي لا يخفى على قادة الدول والحكومات، وكان لها أيضًا دورها في توجيه الرأي العام وفرض التصورات التي يريدونها عن المنطقة العربية خاصة والعالم الإسلامي عامة. ومن أمثلة ذلك: (كونداليزا رايس) التي شغلت منصب وزيرة الخارجية في حكومة (بوش الابن) عملت في مجلس أمناء مؤسسة (راند)، و(ستروب تالبوت) الذي شغل نائب وزير الخارجية في حكومة (بل كلينتون) عمل مديرًا لمؤسسة (بروكنجز) للأبحاث.

نماذج من مراكز البحث الأمريكية وأدوارها:

من أشهر وأهم هذه المراكز البحثية (مؤسسة راند):

هي مؤسسة مستقلة غير ربحية، مقرها في ولاية كاليفورنيا، تأسست عام 1948 لتقديم خدمات البحث والتحليل للجيش الأمريكي، ثم توسعت في مجالات البحث والتحليل، وأصبحت تتعامل مع حكومات وشركات وهيئات أخرى، وصار لها أقسام بحثية تُغَطِّي العديد من المجالات، من الصحة والتعليم والأمن والدفاع، وغير ذلك من المجالات التي تحظى باهتمام دولي. ويعمل بالمؤسسة ما يقارب من ألف وستمئة باحث وموظف، يحمل غالبيتهم شهادات أكاديمية عالية، وترتبط المؤسسة بعلاقات مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ومع مكتب التحقيقات الفيدرالية.

مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي:

الصفحة التالية