من بطولات الضفادع البشرية المصرية.. العمليات البحرية ضد ميناء إيلات (1-2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
بعدها تَمَّ تكليف ضابط صاعقة مصري -كانت قد أَرْسَلَتْه المخابرات الحربية المصرية إلى الأردن لتدريب القوات الفدائية الفلسطينية هناك- باستطلاع طريق بري تَسْتَخْدِمُه الضفادع البشرية إلى ميناء العقبة، وذلك في أواخر أكتوبر 1969 لتنفيذ عملية كبيرة بواسطة القوات البحرية، فقام الضابط بدراسة خريطة المنطقة، واصطحب معه دليلًا أردنيًا إلى المنطقة للتحرك في الطرق الصحراوية والجبلية بين الحدود الأردنية والسعودية، مُسْتَقِلًّا سيارة جيب (لاند روفر) تارة، ومُتَرَجِّلًا تارة أخرى، فَرَسَمَ رسمًا كروكيًّا عن أنسب طريق للتحرك إلى شاطئ العقبة المواجه لميناء إيلات، مع كتابة تقرير استطلاع، وبيان نقط إشارية وتوقيتات للتحرك، وبيان لمنطقة التجهيز، ومنطقة الانطلاق إلى الماء، وبدء الانسحاب، ومكان نقطة المراقبة، وخطة التأمين، وطريقة الاتصال، والإشارات، وخطة التمويه أثناء التحرك، إلى آخر ما يَحْتَاجُه تنفيذ العملية البحرية بنجاح.
ولم يَتَوَقَّف الأمر عند هذا الحد، بل تَمَّ تكليف قائد لواء الوحدات الخاصة بالقوات البحرية -بعد سفره إلى الأردن- بالتوجه إلى ميناء العقبة الأردني لاستطلاع المكان ودراسة المنطقة بنفسه، والتعرف على الأحوال هناك، وتحديد بعض الشخصيات التي يمكن أن تُسَاعِد في تنفيذ العملية. وقد أَقَامَ هناك بالتنسيق مع المخابرات الأردنية بحجة التفتيش على نقطة المراقبة المصرية في العقبة، فأَقَامَ في فندق يَطَّل على القاعدة البحرية الإسرائيلية وميناء إيلات والقاعدة الجوية المجاورة، واستثمر الوقت في السباحة لمعرفة نوع المياه ودرجة الرؤية وطبيعة القاع والمسافات المختلفة بمنطقة رأس خليج العقبة الذي لا يَتَجَاوَز عرضه خمسة كيلومترات، حيث لا يَفْصِل بين ميناء العقبة الأردني وميناء إيلات إلا سور من السلك الشائك. وعند منطقة جبلية قريبة من ميناء إيلات وتَطَّل عليه، تَمَّ تصوير المنشآت العسكرية والقطع البحرية ووسائل حمايتها، والتعرف على النظم الدفاعية برًا وبحرًا.
وبعد ثلاثة أيام من العمل، تَمَّ فيها إنجاز مهمة الاستطلاع والتصوير، تَقَرَّرَ العودة إلى عمان، ومنها إلى القاهرة في اليوم التالي بمحصول ضخم من المعلومات التفصيلية المطلوبة للميناء، مع تكوين بعض الصداقات مع بعض الشخصيات، مما سَهَّلَ كثيرًا من أمر التخطيط للعملية المرتقبة، وأَعْطَى الانطباع بأن العملية ليست بالصعوبة التي يُخْشَى منها، مما زاد من اقتناع قائد القوات البحرية بإمكانية تنفيذها بنجاح. وعليه، بدأ على الفور تدريب الأفراد الذين سَيَقُومُون بتنفيذ المهمة تدريبًا مركزًا في ظروف تُشَابِه تمامًا ظروف العملية في ميناء إيلات، مع تجهيز المعدات والألغام اللازمة لتنفيذ العملية. وبعد تمام الاستعداد، وبعد إجراء بعض الاتصالات بواسطة المخابرات الحربية المصرية مع بعض المندوبين في الأردن، بدأ التحرك.
في يوم الثاني من نوفمبر 1969، تَمَّ إرسال المعدات والألغام بصحبة ثلاثة أفراد من الضفادع البشرية على إحدى طائرات النقل المصرية إلى مطار (إتش ثري) العراقي قرب الحدود مع الأردن، باعتبارهم أفرادًا من منظمة (فتح) الفلسطينية معهم معدات خاصة بالمنظمة، حيث كان في استقبالهم بعض الأفراد، وتَمَّ نقل الأفراد والمعدات بالسيارات إلى بلدة (الطفيلة) بالأردن، حيث انتظروا قدوم باقي أفراد الضفادع البشرية من القاهرة، والذي تَمَّ على دفعات في يومي 3 و4 نوفمبر بالطريق الجوي إلى عمان، يَحْمِل كل منهم جواز سفر مدني، حيث أَقَامُوا ثلاثة أيام في منزل تابع للسفارة المصرية هناك. وتَمَّ تحديد مكان تقابل المجموعة بمن يَحْمِلُهم ومعداتهم، على أن يكون وقت الالتقاء يوم 7 نوفمبر.
تأجيل العملية:
في اليوم المحدد -السابع من نوفمبر- تَحَرَّكَت سيارة جيب (لاند روفر) ومعها عربة نقل تَحْمِل المعدات، يَصْحَبُها أفراد المجموعة، حيث وصلت إلى المكان السابق تحديده في خطة الاستطلاع في الساعة الثالثة فجرًا يوم 7 نوفمبر، وتَمَّ التحرك مع باقي أفراد القوة إلى المكان السابق تحديده عبر مدق جانبي تَمَّ تحديده، متفرع من الطريق الرئيسي لمدينة (معان) جنوب الأردن. وقبل أول ضوء في نهار اليوم، اجتمع كل أفراد العملية ومعهم المعدات في المكان المحدد، حيث ارْتَدَى الجميع الملابس العربية، وتَحَرَّكُوا لمسافة نحو 25 كيلومترًا، فوصلوا الساعة الحادية عشرة صباحًا إلى منطقة التجهيز والراحة، وهي تَبْعُد نحو خمسة كيلومترات عن الشاطئ، حيث تَمَّ تأمين المنطقة وإجراء أعمال الإخفاء. وقبل غروب الشمس، تَمَّت عمليات التجهيز والإعداد، وعند الغروب، ومع آخر ضوء لليوم، تَحَرَّكَت القوة البحرية إلى المكان المحدد للإنزال في الخطة الموضوعة، فوصلت إلى الشاطئ عند ساعة إفطار دوريات الحدود الأردنية والسعودية، إذ كانت العملية خلال شهر رمضان، وكان مكان الإنزال هو خط الحدود الأردنية السعودية، ثم التحرك منه في اتجاه رأس خليج العقبة حيث يوجد ميناءا إيلات والعقبة، وكان خط السير أقرب إلى الساحل الأردني منه إلى ساحل سيناء. وانْطَلَقَ قارب الضفادع البشرية إلى ميناء إيلات، واعْتَلَت قوة من فردين تبة قريبة مرتفعة للمراقبة وتبادل الإشارات مع قوة الضفادع البشرية أثناء تحركها ذهابًا وإيابًا، بينما انتظرت قوة أخرى من ثلاثة أفراد في منطقة التجهيز والعودة.
عند الاقتراب من ميناء إيلات، تَعَرَّضَ قارب العملية لعطل في المحرك، كما تَبَيَّنَ عدم وجود سفن حربية على الرصيف الحربي للميناء، أي لا توجد أهداف عسكرية، فقام بعض أفراد المجموعة باستطلاع الميناء والتعرف عليه، وبعد أن تَقَرَّرَ تأجيل العملية والعودة دون تنفيذها.
