شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

من بطولات الضفادع البشرية المصرية.. العمليات البحرية ضد ميناء إيلات (1-2)‏

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد عاشت مصر بعد الهزيمة القاسية في يونيو عام 1967 فترة صعبة، سَعَت خلالها إلى إعادة بناء قواتها المسلحة، كما خاضت خلال تلك الفترة حرب استنزاف ضد العدو الإسرائيلي لتمنعه من أن يَشْعُر بالاستقرار والراحة داخل أرض سيناء المحتلة.

وقد تطلبت تلك المرحلة الحاسمة بناء مصر لقواعد صواريخ الدفاع الجوي للتصدي للطيران الإسرائيلي المتفوق علينا، وزيادة القدرة على مُوَاجَهَتِه، فكان الدفاع الجوي أيقونة النصر في حرب أكتوبر عام 1973؛ كما تطلبت تلك المرحلة أيضًا استخدام الضفادع البشرية المصرية -لأول مرة- في مهام متخصصة ضمن عمليات القوات البحرية، فكان لأفراد الضفادع البشرية عَمَلِيَّات فدائية مبهرة خلف خطوط العدو في سيناء، ولعل من أجرأها العمليات البحرية التي قام بها أفراد من الضفادع البشرية داخل ميناء إيلات، وتدمير عدد من الوحدات البحرية الراسية في الميناء بشجاعة ودقة، رَفَعَت كثيرًا من الروح المعنوية لقواتنا المسلحة، والتي كانت في أمس الحاجة إليها، وعلى النقيض أَثَّرَت في معنويات العدو الإسرائيلي سلبًا في تلك الفترة الحاسمة من الصراع.

نشأة سلاح الضفادع البشرية:

ظَهَرَت الضفادع البشرية عالميًّا لأول مرة كأحد أسلحة القوات البحرية الخاصة خلال الحرب العالمية الثانية، حيث استَخْدَم الإيطاليون الضفادع البشرية لمهاجمة وحدات من الأسطول البحري البريطاني في البحر المتوسط، فكانت أول العمليات البحرية الناجحة في منطقة الشرق الأوسط، تَمَكَّنَت فيها البحرية الإيطالية من اختراق دفاعات ميناء الإسكندرية والاقتراب من حاجز الأمواج، حيث أُدْخِلَت مجموعة من الضفادع البشرية الإيطالية التي تَمَكَّنَت من تجاوز حاجز الأمواج والوصول إلى عدد من سفن الأسطول البريطاني، حيث كانت الإسكندرية وقتها قاعدة بحرية للأسطول البريطاني في البحر المتوسط، فقامت تلك الضفادع البشرية الإيطالية بتلغيم سفن بريطانية وتفجيرها؛ مما أدى إلى غرق بارجتين بريطانيتين تصل حمولتهما إلى 30 ألف طن، وإغراق مدمرة أخرى؛ مما كان له أَثَرُه في إضعاف القدرات القتالية البريطانية في البحر المتوسط. ومن ذلك التاريخ، تَطَوَّرَت مهام الضفادع البشرية لتصبح أكثر كفاءة وفاعلية.

وكانت قد بَرَزَت في فترة الأربعينيات من القرن العشرين فكرة استخدام أفراد مُدَرَّبين تدريبًا عاليًا على السباحة في تنفيذ عَمَلِيَّات فدائية خاصة تحت سطح الماء، وأُطْلِقَ على هؤلاء الأفراد: (الضفادع البشرية)؛ نظرًا لشكل بدلة الغوص التي يَرْتَدُونَها مع شكل الزعانف في القدمين.

وفي المعتاد، تقوم تلك الضفادع البشرية بتنفيذ عملياتها من خلال عدد قليل من الأفراد على شكل مجموعات صغيرة، تتكون كل مجموعة غالبًا من فردين، أحدهما يَحْمِل اللغم المستخدم في العملية حيث يَغُوص به تحت الماء، بينما يَتَوَلَّى الثاني عَمَلِيَّة التوجيه إلى الهدف، وغالبًا ما تُنَفَّذ العملية المطلوبة من خلال ثلاث أو أربع مجموعات، معها أو منها مجموعة للقيادة. وتَحْتَاج تلك العمليات البحرية -نظَرًا لصعوبتها وشدة خطورتها- إلى درجة كبيرة من التدريب والتخطيط والسرية والتنظيم والدقة والكفاءة العالية.

وفي مصر، كانت البداية في إنشاء سلاح الضفادع البشرية بإرسال مجموعة محدودة من ضباط القوات البحرية إلى إيطاليا -المعروف عنها وقتها التفوق في هذا المجال- للحصول على دورة تدريبية في أعمال الضفادع البشرية، حيث قامت تلك المجموعة بعد عودتها بتكوين أول وحدة صغيرة من الضفادع البشرية المصرية في عام 1954، كان مقرها حاجز الأمواج بميناء الإسكندرية، ورغم تدريب أفرادها الجيد، لم تُسْنَد إليها وقتها أي مهام قتالية من قبل قيادة القوات البحرية، وأثناء حرب الاستنزاف، تَبَلْوَرَت فكرة استخدام الضفادع البشرية في توجيه ضربات قوية للعدو الإسرائيلي.

جاءت الفرصة لتلك الضفادع المصرية للقيام بعمليات بعد أن سَلَّمَت الولايات المتحدة الأمريكية البحرية الإسرائيلية ناقلتين بحريتين، إحداهما تَحْمِل مدرعات برمائية، واسمها: (بيت شيفع)، والأخرى ناقلة جنود واسمها: (بات يام).

وبالفعل شارَكَت تلك الناقلتان في عَمَلِيَّات بحرية على سواحل مصر الشرقية، كان منها ضرب منطقة (الزعفرانة) يوم 9 سبتمبر 1969، حيث قامتا بنقل وإنزال برمائيات إسرائيلية على الشواطئ المصرية تحت الغطاء الجوي الإسرائيلي الذي وَفَّرَ للناقلتين حرية الحركة، لتَقُوم قوات كوماندوز العدو بعملية تدمير معدات وأَسْر رهائن، وكانت الضفادع الإسرائيلية قد قامت في الليلة السابقة للهجوم بإغراق لنشين طوربيد مصريين في مرسى قريب من مكان العملية لمنع تدخلهما أثناء الإغارة على المنطقة.

ومن هنا قَرَّرَت القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية القيام بعملية عسكرية للتخلص من تلك الناقلتين الإسرائيليتين بأي وسيلة، ونظَرًا لصعوبة شن هجوم جوي على الناقلتين الراسيتين عادة في ميناء إيلات في العمق الإسرائيلي -لما سَيُسْفِر عنه من خسائر كبيرة لتفوق الطيران الإسرائيلي- فقد تَمَّت الموافقة على اقتراح قائد القوات البحرية المصرية بالقيام بأول عملية للضفادع البشرية المصرية في العمق الإسرائيلي.

التخطيط للعملية الأولى ضد ميناء إيلات:

للتخطيط للعملية المنتظرة، ذَهَبَ أحد ضباط المخابرات الحربية المصرية في يونيو 1969 إلى الأردن على أنه مدرس مصري، حيث نَزَلَ بفندق في ميناء العقبة الأردني المجاور لميناء إيلات، وذلك لاستطلاع الميناء والمنطقة، واستغرقت مهمته يومين، شَاهَدَ فيهما ميناء إيلات عن قرب، ودَرَسَ نحو 23 كيلومترًا جنوب إيلات حتى الحدود الأردنية السعودية، تَمَّ ذلك مع المتابعة والاستطلاع للسفينة (بيت شيفع) داخل الميناء بواسطة أحد ضباط البحرية.

الصفحة التالية