6 مليون نسمة في طي النسيان
صوت السلف • المسلمون حول العالم
لقد جمع الإسلام قلوب أتباعه على الحب في الله واتباع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن تباعدت بهم الأقطار فأمة الإسلام كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله..." الحديث.
ونحن لا نتحدث عن مسلم واحد بل ما يقرب من 6 مليون مسلم ـ على أقل تقدير ـ يعيشون في أسوأ الظروف في دولة الفلبين.
والكلام عن الفلبين يشتمل على جوانب عديدة حيث توجد خلفيات تاريخية تبين أنه على الرغم من البعد المكاني للفلبين فقد وصلها الإسلام منذ مئات السنين على أيدي التجار المسلمين الذين نشروا الإسلام في العديد من مناطق شرق وجنوب أسيا، وقد استعمر الأسبان الفلبين منذ عام 1521م، واستمر وجودهم قرابة 375 سنة، وبعدها استعمرها الأمريكان الذين استمروا بها ما يقرب من 47 سنة، حتى نالت استقلالها في يوليو عام 1946م. أما عاصمتها مانيلا فكانت تحريفاً لاسمها الأصلي: أمان الله.
وفي ظل الاستعمار الأسباني والأمريكي تركزت الحملات التبشيرية الداعية لدين المستعمرين، حتى أصبح المسلمون أقلية، كما يزعم حكام البلاد، متمركزة في الجنوب، وخاصة في ميندناو. وقد عانوا، وما زالوا يعانون من التمييز ضدهم ومحاربة الحكومة المركزية لهم، لأنهم يسعون لإقامة دولة خاصة بهم. وتزداد المأساة التي يعانيها مسلمي الفلبين بعد الهجمة الشرسة التي تتزعمها أمريكا وحلفاؤها ضد كل ما هو إسلامي تحت غطاء ما يسمى بـ "مكافحة الإرهاب".
تقع جزر الفلبين في منطقة جنوب شرقي آسيا، وتعد جزءاً من أرخبيل الملايو ـ والأرخبيل هو اللفظ الجغرافي الذي يطلق على مجموعة جزر متجاورة ـ ويضم أرخبيل الملايو إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة والفلبين، وتبعد سواحل الفلبين الشمالية عن جنوب الصين 800 كم.
ويشكل المسلمون ما يقرب من 11% من السكان في المناطق الجنوبية في جزيرة ميندناو وأرخبيل صولو وجزيرة بالاوان ويقلون في الجزر الوسطى والشمالية، ويصل عددهم الآن إلى ما يقرب من ستة ملايين مسلم.
دعاة في صورة تجار
إن الناظر للموقع البعيد لجزر الفلبين يتعجب من وصول الإسلام إليها، كما قد يظن كثير من مسلمي اليوم فضلاً عن غيرهم من أصحاب الملل والنحل أن التجار المسلمين استطاعوا الوصول إليها مبكراً، طمعاً في الأرباح الكثيرة التي كانوا يجنونها، والأموال الطائلة التي كانوا يحصلون عليها من هذه الأرض البكر، ولكن نقول أن ذلك إنما كان وسيلة من أجل الوصول إلى الغاية التي ينشدها المسلمون، ألا وهي نشر الإسلام عن طريق الدعوة، فكانت الأموال التي يظن الكثيرون أن الرحال إنما شدت إليها عادة ما تنفق بلا حساب في سبيل هذه الغاية.
وكانت المراكب تقطع الطريق البحرية وقتها في خمسة أشهر كاملة ذهاباً ومثلها في الإياب، تتعرض خلالها للمخاطر المهلكة من أعاصير وأمواج عاتية، إضافة إلى هجمات القراصنة، وكان الدعاة المسلمون يقتحمون هذه الأخطار، في سبيل الوصول إلى غايتهم من نشر دين الله في أرضه ومحو الشرك من الوجود.
وقد استطاع التجار المسلمون نشر الإسلام والدعوة إليه في إندونيسيا أولاً، حيث حكموا تلك الأرجاء، وامتد نفوذهم إلى الجزر الشمالية في إندونيسيا ومنها إلى أرخبيل صولو وجزيرة ميندناو في جنوب الفلبين.
وقد وصل الإسلام إلى الفلبين قرابة عام 270 هـ - 883 م عن طريق الدعوة، وتتابع الدعاة وتوالوا بعدها على تلك الجهات، فبارك الله في هذه الهمم العالية التي تتحرك لنصر الدين رغم ضعف الإمكانيات فأين نحن منهم؟.
الاستعمار الأسباني للفلبين
وبعد أن خرج المسلمون من الأندلس عام 898 هـ - 1493 م، وشعرت أوروبا بنشوة الظفر، انطلقت خلف المسلمين ووضعت الخطة لذلك، وكان رأس حربتها من دول أسبانيا والبرتغال، فانطلق البرتغاليون حول إفريقية، ثم توجهوا نحو الشرق، فوصلوا إلى الهند، ومالاقا، وسنغافورة، وبعض الجزر الإندونيسية، ومن الجهة الأخرى توجه الأسبان غرباً، وذلك في سبيل حصار المسلمين من كل جهة والتضييق عليهم.
وممن اقتنعوا بفكرة حصار المسلمين الملاح البرتغالي الشهير ماجلان. فقد أبحر في المحيط الهادي، وسار فيه مدة ثلاثة أشهر وعشرين يوماً ـ لم ير خلالها عاصفة، ولا يابسة ـ ثم واجه بعدها نقصاً في المؤن، وبدأ المرض يفتك بملاحيه، ولكن تحت إصراره استطاع أخيراً أن يصل إلى تلك الجزر التي عرفت فيما بعد باسم الفلبين وذلك عام 1927 هـ - 1521 م، وقد استمرت رحلته هذه عاماً وسبعة أشهر، واستسلم في نهايتها لليأس وظن أنه قد وصل على جزر التوابل ـ وهي جزر الملوك في إندونيسيا ـ ولكن سرعان ما تبين له أن الأرض التي رست سفنه على شواطئها ليست هي الجزائر التي قصدها فأطلق عليها (سانت لازار).
(وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) (ص: 6) فانظر كيف يثابر الكافر لنصرة دينه، فأين أهل الإيمان؟.
اتفق ماجلان مع حاكم جزيرة سيبو ـ ويدعى هومابون ـ على أن يدخل الحاكم في النصرانية الكاثوليكية مقابل أن يكون ملكاً على جميع الجزر تحت التاج الأسباني، وأخذ ماجلان يعمل على تمكين صديقه من السيطرة على بقية الجزر، وانتقل الأسبان من جزيرة سيبو إلى جزيرة صغيرة بالقرب منها، على مسافة كيلو مترات، وتقع إلى الشرق من مدينة سيبو، وتدعى جزيرة ماكتان، وكان عليها سلطان مسلم يدعى (لابو لابو)، ولما علم الأسبان بإسلام حاكم تلك الجزيرة طاردوا نساءها، وسطوا على طعام أهلها، فقاومهم الأهالي، فأضرم الأسبان النار في أكواخ السكان وفروا هاربين.
رفض (لابو لابو) الخضوع لماجلان، وحرض سكان الجزر الأخرى عليه، ورأى ماجلان الفرصة مناسبة لإظهار قوته، وأسلحته الحديثة حتى يخافه بقية الأمراء والسلاطين فذهب مع فرقة من جنوده مزودين بأسلحته لقتال (لابو لابو) وتأديبه.
