من بطولات الضفادع البشرية المصرية (2-2) العمليات البحرية ضد ميناء إيلات
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
كانت فكرة العملية الجديدة تقوم على استخدام لغمين من مادة (الهيلوجين) شديدة الانفجار، تم إعدادهما في الإسكندرية، بما يعادل ضعف قوة الديناميت العادي، وزنها 150 كيلوجرام، مع استخدام تايمر روسي الصنع، حيث يتم زرع اللغمين أسفل رصيف الميناء في الساعة الثانية عشرة مساءً يوم 14 مايو 1970، بحيث ينفجران بعد 12 ساعة، أي: عند الظهيرة، أي: بعد نحو خمس ساعات من رسو السفينة (بيت شيفع) في الميناء، والذي يكون عادة في الساعة السابعة صباحًا؛ مما يتسبب في إحداث عطل جسيم في السفينة يبقيها بصفة دائمة في الميناء، فيمكن بعد ذلك تدميرها.
- تم لتنفيذ تلك الخطة إرسال مجموعتين من الضفادع البشرية المصرية بمعداتهما إلى العقبة مرة أخرى في سيارة جندي أردني، وعبروا إلى ميناء إيلات ليلًا من جديد رغم قذائف الأعماق التي كان يُسمع صوت انفجار عبوة منها كل دقيقتين تقريبًا، حتى كادت أن تصيب بعض أفراد العملية إصابة مباشرة. وبعد الوصول إلى رصيف الميناء وزرع اللغمين أسفل الرصيف، وجد أن اللغمين يطفوان فوق الماء؛ مما يعني سهولة اكتشاف اللغمين والتعرف عليهما، فقام أفراد العملية بخلع أحزمة الرصاص التي يلبسونها حول وسطهم، ويزن كل حزام منهم نحو ثلاثة كيلوجرامات ليساعدهم على الغوص تحت الماء، فربطوا بها اللغمين، ثم سارعوا بالسباحة عائدين إلى ميناء العقبة الأردني، وقد اضطروا إلى السباحة معظم الوقت فوق سطح الماء.
- ورغم ما كان مقررًا، فقد تأخرت السفينة (بيت شيفع) عن موعد رسوها التقليدي، كما أن اللغم الأول انفجر في الساعة السابعة والنصف صباحًا، أي مبكرًا قبل الموعد المقرر له، ربما بسبب ما تعرضت له المجموعة من قذائف الأعماق التي أَثَّرَتْ في تايمر اللغم، فانفجر قبل وقته المحدد له، وقد أحدث الانفجار تلفيات كبيرة في رصيف الميناء، على أثرها تم رفع درجة الطوارئ بالميناء، وتم على الفور إنزال أعداد من الضفادع البشرية الإسرائيلية لاستطلاع الموقف، فإذا باللغم الثاني ينفجر بعد ساعتين من انفجار اللغم الأول، أي في الساعة التاسعة والنصف صباحًا، أي قبل الموعد المحدد له أيضًا، فأسفر انفجاره عن قتل عدد كبير من الإسرائيليين من الضفادع البشرية والفنيين العاملين في الميناء. وقد شوهد بعدها عملية انتشال للجثث الإسرائيلية الكثيرة من الماء، كما شوهدت ست عربات إسعاف تنقل جرحى مصابين من مبنى الضباط المقام خلف الرصيف الحربي مباشرة.
- عادت المجموعة المصرية إلى ميناء العقبة الأردني، وهناك سلمت نفسها -كالمعتاد في كل مرة- للقوات الأردنية المتواجدة هناك، وقد قابلوهم بالترحاب والفرحة والفخر بهم، وأمدوهم بالطعام والشراب، وتكررت قصة الطائرة الهليكوبتر المصرية التي أنزلت المجموعة في طابا جنوب إيلات، والتي نفذت العملية، لكن تعذر عليها اللحاق بالطائرة، فاضطرت إلى اللجوء لميناء العقبة الأردني.
- لم تَغْرَق السفينة (بيت شيفع) هذه المرة أيضًا، لكنها اعتبرت منتهية الصلاحية بعد هذه الضربات التي وُجِّهَتْ لها، فتم الإعلان بعد ذلك عن خروجها من الخدمة العسكرية.
وهكذا كان إصرار قوات البحرية المصرية الخاصة على تدمير السفينتين الإسرائيليتين رغم صعوبة المهمة وراء نجاح الهدف منها.
وقد أَثَارَ هذا الإصرار دهشة العالم؛ إذ لم يحدث في تاريخ البحرية أن تعرض ميناء ما للهجوم عليه ثلاث مرات كلها ناجحة في فترة زمنية قصيرة، فالمعروف والمتوقع عدم تكرار الهجوم على نفس الميناء -أي ميناء-، خاصة في الموانئ العسكرية، حيث تُتَّخَذ فيه بالطبع أقصى درجات الحيطة والحذر بعد أول هجوم عليها لمنع تكراره، وذلك من خلال دوريات الحراسة المكثفة ونقاط المراقبة والإنذار المتعددة، ومن خلال إلقاء العبوات المتفجرة الكثيرة في أعماق المياه، وغير ذلك من أساليب الدفاع والحيطة التي يصعب معها الجرأة على محاولة تكرار مثل هذه العمليات الانتحارية مهما كانت شجاعة منفذيها (للاستزادة: راجع كتاب: وحوش البحر، تأليف دكتور مدحت حسن عبد العزيز، ط. دار الدفاع للصحافة والنشر 2014م. ففيه مذكرات وأحاديث الأفراد الذين شاركوا في العمليات تخطيطًا وإعدادًا ومتابعة وتنفيذًا) .
