من بطولات الضفادع البشرية المصرية (2-2) العمليات البحرية ضد ميناء إيلات
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففي اليوم التالي لتنفيذ العملية الأولى في ميناء إيلات وتدمير السفينتين التجاريتين الإسرائيليتين (هيدروما) و(داليا)، كانت الصحف المصرية والعربية والعالمية تشيد بهذه العملية البحرية الانتحارية الجريئة التي قامت بها القوات المصرية خلف خطوط العدو الإسرائيلي، والخسائر الجسيمة التي أَوْقَعَتْها بالعدو؛ مما كان له أكبر الأثر في رفع الروح المعنوية للقوات المصرية والعربية. وقد استمع أفراد المجموعة المنفذة للعملية -وهم في شوارع عمان في اليوم التالي- إلى تعليقات الشعب الأردني المعبرة عن فرحتهم وفخرهم بتنفيذ العملية.
- عند التخطيط لعودة أفراد العملية إلى القاهرة بعد تنفيذها، كانت هناك مخاوف من أن تجبر إسرائيل طائرة الطيران الأردني التي سيركبها أفراد العملية على النزول إن عَلِمَ الإسرائيليون بهوية أفراد العملية أو هوية أحد منهم؛ لذا تم نقل أفراد العملية متفرقين إلى دمشق فبيروت، ومنهما ركبوا عائدين جوًّا إلى القاهرة.
- قبل تنفيذ العملية بيوم تقريبًا، كان الرأي أن تعلن منظمة فتح الفلسطينية مسؤوليتها عن العملية بعد تنفيذها، ولكن بعد أن تمت العملية بنجاح، تغيَّر القرار، وتقرَّر أن تعلن مصر مسؤوليتها عن العملية بعد الحصول على موافقة مسبقة من الرئيس جمال عبد الناصر.
- وللتمويه، نُشِرت مقالة في جريدة الأهرام القاهرية في صباح اليوم التالي على لسان قائد مجموعات الضفادع البشرية -الذي لم يكن قد عاد إلى القاهرة بعد-، فيها قصة مفبركة بعيدة كل البعد عما حدث فعلًا في عملية تدمير السفينتين الإسرائيليتين، فصوَّرت العملية على غير حقيقتها بأن منفذي العملية وصلوا إلى مشارف إيلات بطائرة عمودية مصرية (هليكوبتر) طارت على ارتفاع منخفض لمنع اكتشافها بالرادارات، وتم هبوطها في منطقة نائية قرب طابا على ساحل خليج العقبة، ومنها كان نزول الضفادع البشرية بمعداتهم إلى الماء، ثم دخول ميناء إيلات، ثم اقترابهم من السفينتين الراسيتين فيه، وتثبيت الألغام فيهما، مع ذكر بعض المعلومات الفعلية عن ظروف العملية داخل الميناء، مع تخيُّل بعض المصاعب وكيفية التغلب عليها، ثم نهاية القصة بالعودة إلى الطائرة، وإقلاعها بهم مرة أخرى عائدين سالمين إلى أرض الوطن.
وكان الغرض من ذكر تلك القصة المفبركة عدم الإفصاح عن حقيقة الطريقة التي تم بها تنفيذ العملية لصرف نظر العدو عن حقيقة ما حدث، وعدم الكشف عن تفاصيل العملية التي قد تَضُرُّ في المستقبل بأي عملية أخرى شبيهة لها، لإمكانية العودة لمهاجمة ميناء إيلات من جديد، وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك.
- كانت تلك العملية البحرية في إيلات هي أول عملية تقوم بها القوات الخاصة من الضفادع البشرية المصرية منذ نشأتها عام 1954، فكان للعملية صدى عالمي رفع من الروح المعنوية للقوات المسلحة المصرية والعربية. وقد دخل بعدها ضباط البحرية بالإسكندرية في احتفال شعبي وعسكري كبير، وتم منح المشتركين في العملية البحرية النياشين والأوسمة، وقُدِّمَت المكافآت والهدايا من العديد من الشركات والمصانع.
- وقد سادت إسرائيل حالة من الغضب الشديد بسبب نجاح العملية المصرية نتيجة للخسائر التي أُصِيبَتْ بها، والأهم من ذلك: قدرة القوات المصرية على الوصول إلى إيلات وتنفيذ هذه العملية الجريئة، وقد هددت إسرائيل الأردن بالانتقام، زاعمة أن كل دولة متاخمة لإسرائيل لا بد أن تتحمل مسؤولية أي عمل عدائي أو من أعمال المقاومة ضد إسرائيل بالقرب من أراضيها.
التخطيط لعملية إيلات الثانية:
لم يتم ضرب السفينة (بيت شيفع) و(بيت يام) في العملية الأولى في ميناء إيلات، بل وشاركت السفينة (بيت شيفع) بعدها في العدوان الإسرائيلي على جزيرة (شدوان) المصرية، لكن السفينة احتاجت بعد عودتها إلى البقاء في ميناء إيلات لإجراء بعض الإصلاحات، فكانت تلك فرصة مواتية لضربها.
- توجَّه أحد الضباط البحريين المصريين إلى عمان -عاصمة الأردن- في طائرة مدنية، وهو يحمل جواز سفر مصريًّا مدنيًّا، وذلك للدراسة على الطبيعة، ووضع تفاصيل العملية القادمة، خاصة مع توقع زيادة الإجراءات الأمنية الإسرائيلية في ميناء إيلات بعد العملية التي تعرَّض لها، على أن يتم بعدها إرسال الأفراد والمعدات اللازمة إليه هناك بعد تمام الاستعداد والاتفاق على كافة الترتيبات. وتم اختيار وإعداد الأفراد لتنفيذ العملية القادمة، وتم إعداد جواز سفر مدني لكل فرد منهم بوظيفة وهمية، على أن ينتظر الجميع صدور الأوامر لهم بالتحرك.
من مطار الدخيلة بالإسكندرية، وعلى متن طائرة (أنتونوف)، سافرت المجموعة مع المعدات اللازمة إلى مطار (إتش ثري) في العراق قرب الحدود الأردنية، حيث استقلوا من هناك عربات تابعة لمنظمة (فتح) الفلسطينية نقلتهم إلى العاصمة الأردنية (عمان)، وذلك في يوم 3 نوفمبر 1970.
- في يوم العملية، انطلق من عمان أربعة أفراد على مجموعتين متوجهين إلى ميناء العقبة الأردني لتنفيذ العملية، وفي منتصف الطريق حملتهم عربة أخرى تابعة للجيش الأردني يقودها ضابط أردني تم اختياره للتعاون مع المجموعة، فعبر بهم من طرق ومدقات حتى بلغوا العقبة في نحو الساعة السادسة مساءً، وخلال ساعتين تم تجهيز المعدات والاستعداد لتنفيذ العملية. كانت المسافة بين شاطئ العقبة وميناء إيلات نحو 5.5 كيلومتر، يمكن قطعها سباحة بالمعدات في نحو ثلاث ساعات ونصف الساعة.
- كان البحر صعبًا، والعواصف رهيبة، والأمواج عالية، والمياه شديدة البرودة، وأثناء السباحة إلى ميناء إيلات، مرت بجوارهم لنشات إسرائيلية، فتوقفوا لفترة عن السباحة، ثم فوجئوا بنفاد الأكسجين من أحدهم، فسمح له بالعودة إلى العقبة. كانت التعليمات صريحة أنه إذا وجدت المجموعة أنها غير قادرة على دخول الميناء لشدة الإجراءات الأمنية فيه، فعليهم بالعودة دون تنفيذ العملية، ولكن الجميع كانوا مصممين على تنفيذ العملية مهما كانت الظروف.
