شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

بين الوحي والعلم التجريبي

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيتميز مفهوم الوحي باتفاق المؤمنين به على حقيقته ومدلولاته، بغض النظر عن اختلافهم في الأمور الأخرى.

والوحي في اللغة: يعني الإعلام الخفي، ففي لسان العرب لابن منظور: (الوحي: الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك). قال الأزهري: (وأصل الوحي في اللغة كلها إعلام في خفاء؛ ولذلك صار الإلهام يُسمَّى وحيًا). وكذلك تسمية الإشارة والإيماء وحيًا، وتسمية الكتابة وحيًا.

فالوحي لغة لا ينحصر في الوحي المنزل من الله -تعالى- على الرسل والأنبياء، بل الوحي لغة يتضمن كذلك:

- الإشارة والإيماء على سبيل الرمز والإيحاء، كما في إشارة نبي الله زكريا -عليه السلام- لقومه والتي سماها القرآن وحيًا في قوله -تعالى-: ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) (مريم: 11) .

- الإلهام الغريزي، كما في الوحي إلى النحل في قوله -تعالى-: ( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا ) (النحل: 68) .

- الإلهام الفطري للإنسان، كما في الوحي إلى أم موسى -عليه السلام- في قوله -تعالى-: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي. إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ) (القصص: 7) .

ما يُلقيه الله -تعالى- على ملائكته من أوامر، كما في قوله -تعالى-: ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ) (الأنفال: 12) .

- وسوسة الشيطان وتزيينه للشر في نفوس أوليائه، كما في قوله -تعالى-: ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ) (الأنعام: 121) .

أما الوحي اصطلاحًا وشرعًا -وهو المراد هنا- فهو: (إعلام الله -تعالى- رسله وأنبياءه بما يريد أن يُبلِّغهم به من كتاب أو شرع بواسطة أو بغير واسطة)؛ فالوحي هو إعلام من الله -تعالى- إلى رسله وأنبيائه خفية وفي سرية، كي يُوصل الله -تعالى- إليهم ما يريد إيصاله لهم من علم وحكمة، وأمر ونهي وإرشاد، وغير ذلك؛ قال -تعالى-: ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ. وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ. وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ) (النساء: 163) .

وهذا المعنى الاصطلاحي متفق عليه عند المؤمنين به، أنه نوع اتصال بين الله -تعالى- والرسل والأنبياء الذين اصطفاهم الله -تعالى- لتبليغ الحقيقة للناس.

وفي الشرع تفريق بين وحي الله لرسله وأنبيائه وبين الإلهام، وبين الوحي بالقرآن وغيره من أنواع الوحي التي يمكن أن تُوحَى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.

أهمية الوحي مصدرًا للعلم:

لم يكن الخلاف بين الرسل والأنبياء وغالب من كفر بهم حول وجود الخالق من عدمه، بل حول اتِّباع ما جاء به الرسل والأنبياء، واتِّخاذ ما جاءوا به من الوحي المأمورين بتبليغه للناس مصدرًا للعلم ومنهاجًا للحياة؛ فالمؤمنون بالرسل والأنبياء يؤمنون بالوحي، ويتَّخذونه مصدرًا أساسيًّا لمعرفة حقائق الإيمان وأمور الغيب وأوامر الله -تعالى- ونواهيه، بينما يعتقد الكفار في مصادر أخرى للعلم ليس منها الوحي، منها مصادر العلوم الدنيوية، ومنها النجوم والكواكب والجن والكهنة والعرافون وغير ذلك.

وحاجة الناس للوحي لا غنى عنها، لكون الوحي طورًا فوق طور العقل، ولا بد منه لتلقِّي العلم من الله -تعالى-، ولكون الوحي فيه تلبية للحاجة إلى معرفة الأمور الغيبية؛ لقد نزل الوحي بحقائق وتفاصيل متعلقة بالغيب مما لا طاقة للعقل ولا قدرة على الوصول إليها، من الإخبار عن الله -عز وجل- وصفاته وأسمائه، والإخبار عن يوم القيامة والساعة، والإخبار عن الجنة والنار، وغير ذلك مما لا مجال للعقل للبحث فيه، إلى جانب العبادات والتشريعات والأخلاق والمعاملات مما أمر الله -تعالى- به ويحبه، ومما نهى الله -تعالى- عنه ولا يحبه، وكلها أمور أيضًا لا تُدرَك بالعقل، وعلى العبد أن يتعلَّمها ويعرفها عن طريق الوحي، ويتبعها ويعمل بمقتضاها.

وللوحي سمات ليست في غيره، منها:

- إنه من عند الله -تعالى-؛ فهو بذلك أعلى درجات اليقين، وهو العلم التام والحقيقة المطلقة التي لا شك فيها ولا ارتياب. وهو بذلك علم منزَّه عن الأهواء، لا يتأثر بالعوارض وتغيرات الأحوال والظروف، أنزله من علمه مُحيط بكل زمان وبكل مكان، لا يخفى عليه شيء من أحوال الناس وطبائعهم أينما وُجدوا وحيثما كانوا، ويعلم ما يحتاجون إليه وما فيه الخير التام لهم في الدنيا وفي الآخرة. فالوحي فيه من الإحاطة الشاملة والحقائق الضرورية ما ليس في غيره.

- إنه أكبر ما يُفرَّق به بين الحق والباطل، وفيه الفصل البيِّن بين الآراء والرؤى المختلفة في القضايا العقائدية والمصيرية، ببيان العقيدة الحقة والصواب فيما اختلفت فيه الأمم والأقوام، ويجيب بوضوح لا غموض فيه عن كثير من الأسئلة الوجودية التي طالما احتار فيها الناس في كل زمان ومكان. ففيه من الهدى في هذا المجال ما لا في غيره، ولا يُستغنَى بغيره عنه؛ قال -تعالى-: ( وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (النحل: 64) .

الصفحة التالية