بين الوحي والعلم التجريبي
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
- إن الله -تعالى- تكفَّل بعصمة رسله -صلوات الله عليهم وسلامُه- في التبليغ، وتكفَّل بحفظ المُبلَّغ به من التحريف والتبديل حتى يبلغه الرسل لخلقه؛ فقد اتفقت الأمة على أن الرسل معصومون في تحمُّل الرسالة، فلا ينسون شيئًا مما أوحاه الله إليهم إلا شيئًا قد نُسخ. وقد تكفَّل الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم- بأن يُقرئه فلا ينسى شيئًا مما أوحاه إليه، إلا شيئًا أراد الله أن يُنسيَه إياه؛ قال -تعالى-: ( سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى. إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ) (الأعلى: 6-7) ، وهم معصومون في التبليغ، فالرسل لا يكتمون شيئًا مما أوحاه الله إليهم، ذلك أن الكتمان خيانة، والرسل يستحيل أن يكونوا كذلك؛ قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) (المائدة: 67) .
ولو حدث شيء من الكتمان أو التغيير لما أوحاه الله فإن عقاب الله يحل بذلك الكاتم المغير، قال الله -تعالى-: ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) (الحاقة: 44-46) (انظر: الرسل والرسالات، د. عمر سليمان الأشقر، مكتب الفلاح ودار النفائس، الكويت، ط. الرابعة 1410هـ - 1989م، ص 97) .
- إنه يُعلِّمنا ويُعرِّفنا بجوانب لا يمكن أن نُدركها نحن بعقولنا القاصرة، ولا تصل إليها حواسنا المحدودة، ولكن يختص الوحي بذكرها وبيانها، كالكلام عن أسماء الله -تعالى- وصفاته -عز وجل-، وعن تفاصيل اليوم الآخر، والجنة وما فيها والنار وما فيها، وما يتعلق بذلك من تفاصيل. إذ إن المهمة الأولى للوحي هداية الناس إلى الاعتقاد الصحيح، والإخبار بحقائق الغيب التي نحتاج إلى معرفتها، ولا يمكن الوصول إلى معرفتها إلا بالوحي.
- إن المُبلِّغين للوحي ليسوا من أحاد الناس وعوامهم، بل هم ممن اصطفاهم الله -تعالى- وهيَّأهم لتلقِّي الوحي وإيصاله إلى الناس، وهم أيضًا من أكمل الناس عقلًا وخُلُقًا، ممن لا مجال للطعن فيهم أو التشكيك في صدقهم؛ كما أنه ليس لأحد القدرة على أن يكتسب الوحي أو يصل إليه بعقله مهما علا في العلوم، ولا أن يُدركه مهما مارس من الرياضات، فالوحي فوق مستوى البشرية.
- فالوحي إذًا مصدره الله -تعالى-، بعيدًا عن التحيُّزات أو الأهواء، وطريق نقله معصوم، ونطاق الحقائق التي يتناولها شاملة، ورسالته عامة لكل زمان ومكان لا تتغير؛ قال ابن تيمية: (لولا الرسالة لم يهتدِ العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد) (انظر: آدم عليه السلام بين التطور والتطور الموجه والوحي، تأليف إبراهيم الشحات محمد خميس، مركز تكوين، الخبر، السعودية، ط. أولى 1440هـ - 2019م، ص 49-50، نقلًا عن مجموع الفتاوى، ط. مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: 19/155) .
ويضيف ابن تيمية أيضًا: (الأنبياء جاءوا بما تعجز العقول عن معرفته، ولم يجيئوا بما تَعلَم العقول بطلانه، فهم يُخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول) (انظر: الرسل والرسالات: 36-37، نقلًا عن مجموع الفتاوى لابن تيمية، جمع ابن قاسم، ط. الرياض، ط. أولى، 2/312) .
نطاق العلم الذي يختص به الوحي:
نطاق الوحي أكبر بكثير من نطاق العلوم الدنيوية، فهو يتناول القضايا الكبرى التي تتعلق بالغاية من وجود الإنسان على الأرض، وبيان ما يجب أن يكون عليه من الاعتقاد، وما عليه من التكاليف الشرعية، وكيف تكون علاقة العبد بربه. وهذا يتضمن أمورًا وتفاصيل كثيرة اختص بها الوحي ولا يمكن أن تُعلَم إلا عن طريقه ولا يمكن أن يستقل العقل البشري بمعرفتها. فالوحي بهذا هداية من الله عز وجل إلى عباده لينالوا باتِّباعها السعادة في الدنيا والآخرة.
العلم التجريبي:
- العلم التجريبي هو نهج يعتمد على التعلُّم من خلال نتائج التجارب المباشرة لا من العلم النظري فقط، فهو منهج يعتمد على الملاحظة المباشرة والتجارب العملية لاكتساب المعرفة وفهم وتفسير الظواهر الطبيعية، حيث يتم جمع الأدلة الملموسة بشكل منهجي بغرض اختبار الفرضيات ووضع نظريات قابلة للاختبار. والعلم التجريبي هو الركيزة الأساسية للعلوم الطبيعية والاجتماعية مثل: الفيزياء والكيمياء والأحياء. والعلم التجريبي الحديث هو المنهج العلمي المتبع اليوم للتحقق من صحة فرضية ما، فإما أن يثبتها فتغدو حقيقة علمية، أو ينفي صحتها فتصبح معلومة خاطئة.
- ويعتبر الغرب فرانسيس بيكون (1561م - 1626م) واضع أسس المنهج التجريبي، حيث قاد الثورة العلمية في أوروبا من خلال الفلسفة القائمة على الملاحظة والتجريب، فهو من الرواد الذين انتبهوا إلى عدم جدوى المنطق الأرسطي (نسبة إلى أرسطو) الذي يعتمد على القياس.
ويُعَدُّ العالم الحسن بن الهيثم (965 - 1040م) (354 - 430هـ): حقيقة هو رائد العلم التجريبي الحديث من قبل فرانسيس بيكون، بعدة قرون من خلال منهجه العلمي والتجريبي في البصريات، فقد طور طرقًا تجريبية لتقييم صحة النظريات بطريقة مشابهة للمنهج العلمي الحديث.
وكذلك يُعَدُّ جابر بن حيان: من أوائل من أسس المنهج العلمي التجريبي؛ فالعلماء المسلمون هم أول من قاموا بوضع وتطوير المنهج التجريبي بشكل ملحوظ، فابن الهيثم استخدم في علم البصريات طرقًا دقيقة لإجراء التجارب العلمية والتحقق من صحة الفرضيات مما يُعَدُّ أساسًا للمنهج العلمي الحديث. أما جابر بن حيان فقد أدخل المنهجية التجريبية في علم الكيمياء وابتكر عمليات كيميائية مثل التبلور والتكليس والتقطير.
والعلم التجريبي على أهميته؛ إلا أنه مبني على الملاحظات التي بُنيت عليها افتراضات قوية أو ضعيفة، وهي يمكن أن تتغير من وقت لآخر، وكثير من النظريات العلمية اعتراها التغيير على مر السنين، ومنها ما ظنَّه العلماء يومًا ما أنها حقائق علمية ثابتة.
بين الوحي والعلم التجريبي:
