بين الوحي والعلم التجريبي
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
أما الغيب الذي لا يشهده الإنسان، وليس في متناول الحواس التي يطل منها العقل على الأشياء ليبني معارفه من خلالها ولا يدخل تحت المقاييس، فإنما وسيلته هي النبوة التي من خلالها يتلقَّى شخص من البشر أمده الله بقدرة تؤهله ليتصل بالعالم الغيبي، ويتلقَّى وحي الله ليبلِّغه إلى الناس، ولكن هذا التمييز لا يعني الفصل بين الدين (الوحي)، وعالم الغيب، وبين العقل والحس وعالم الشهادة، وفق الدعوة التي ينادي بها بعض العصرانيين، بحيث يعزل كل منهما عن الآخر، ويوقف كل مصدر منهما عن التدخُّل في مجال الآخر. كلا إن العقل يصل من خلال رؤيته للكون وسننه إلى الإيمان بالله وقدرته وعلمه، وهو غيب، والوحي وإن لم يقدِّم معارف طبيعية، إلا أن له توجيهات بشأن موجودات الكون وسننه، ينبغي أن يقرَّ بها العقل ويبني عليها.
فالمقصود بالتمييز: رفض مسلك استبداد العقل بالمباحث الغيبية، كما وقع للفلاسفة وعلماء الكلام، ورفض اتجاه الذين يرون أن القرآن جاء بتفصيل العلوم الكونية، ويجهدون أنفسهم في استخراج نظرياتها واكتشافاتها من القرآن والسنة (انظر: السلفية وقضايا العصر: 295-297) .
إن الذين يريدون أن يستغنوا عن الوحي بالعقل يُظلمون العقل ظلمًا كبيرًا، ويُبدِّدون طاقة العقل في غير مجالها، (إن للعقل اختصاصه وميدانه وطاقته، فإذا اشتغل خارج اختصاصه جانبه الصواب، وحالفه الشطط والتخبُّط، وإذا جرى في غير ميدانه كبا وتعثَّر، وإذا كُلِّف فوق طاقته كان نصيبه العجز والكلال. إن العالم المادي المحسوس أو عالم الطبيعة، هو ميدان العقل الفسيح الذي يصول فيه ويجول، فيستخرج مكنوناته، ويربط بين أسبابه وعلله، ومقدِّماته ونتائجه، فيكتشف ويخترع، ويتبحَّر في العلوم النافعة في مختلف ميادين الحياة، وتسير عجلة التقدُّم البشري إلى الأمام. أما إذا كُلِّف النظر خارج اختصاصه، أعني ما وراء الطبيعة، فإنه يرجع بعد طول البحث والعناء بما لا يروي غليلًا ويُشفي عليلًا، بل يرجع بسخافات وشطحات) (انظر: الرسل والرسالات: 38، وانظر: نظرات في النبوة، صلاح الدين مجيد، مكتبة القدس، بغداد: 17) .
دور العقل في فهم الكون وتحقيق الهداية:
يزعم كثير من الناس أن الوحي يلغي العقل ويطمس نوره، ويورثه البلادة والخمول، وهذا زعم كاذب، ليس له من الصحة نصيب، فالوحي الإلهي وجَّه العقول إلى النظر في الكون والتدبُّر فيه، وحثَّ الإنسان على استعمار الأرض واستثمارها، وفي مجال العلوم المنزلة من الله وظيفة العقل أن ينظر فيها ليستوثق من صحة نسبتها إلى الله -تعالى-، فإن تبيَّن له صحة ذلك فعليه أن يستوعب وحي الله إليه، ويستخدم العقل الذي وهبه الله إياه في فهم وتدبُّر الوحي، ثم يجتهد في التطبيق والتنفيذ. والوحي مع العقل كنور الشمس أو الضوء مع العين، فإذا حُجب الوحي عن العقل لم ينتفع الإنسان بعقله، كما أن المبصر لا ينتفع بعينيه إذا عاش في ظلمة، فإذا أشرقت الشمس وانتشر ضوؤها انتفع بناظريه، وكذلك أصحاب العقول إذا أشرق الوحي على عقولهم وقلوبهم أبصرت واهتدت ( فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) (الحج: 46) (ينظر: الرسل والرسالات) .
