بين الوحي والعلم التجريبي
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
لا تعارض بحال من الأحوال بين صحيح العلم التجريبي وثابته وبين صحيح الوحي ثبوتًا ودلالة. والتعارض إن وجد فينشأ بين العلم الزائف أو الخطأ وبين الوحي قطعي الثبوت والدلالة، أو بين صحيح العلم والوحي ظني الثبوت أو الدلالة؛ فالعلم التجريبي الذي هو حقيقة لا تتغير بتقدم العلوم، حقيقة ثبتت ثبوتًا قطعيًا وبدلالة قطعية على شيء معين، فلا يوجد بينها وبين الوحي قطعي الثبوت والدلالة تعارض؛ إذ لا يُتصوَّر أن يوجد تعارض بين الكون الذي خلقه الله -تعالى- وأودع فيه الحقائق، وبين الوحي المعصوم الذي أنزله تعالى. بينما ينشأ التعارض فيما دون ذلك، كأن يكون العلم ظنيًا (فرضية أو نظرية أو مجرد تفسير)، أو يكون الوحي ظنيًّا (من حيث الثبوت أو من حيث الدلالة أو كليهما معًا)، أو يكون كلا من العلم والوحي ظنيين.
ونُزيد الأمر إيضاحًا فنقول:
إن الدليل الثابت شرعًا إما أن يكون قطعيًّا في دلالته وإما أن يكون ظنيًّا، والأمر الثابت عقلًا إما أن يكون قطعيًّا لا اختلاف بين الناس فيه، وإما أن يكون ظنيًّا أي محل اختلاف واجتهاد في الأخذ به أو تركه، وعلى هذا فيستحيل أن يتناقض قطعيان أيًا كان مصدرهما، العقل أو الشرع؛ لأن الدليل القطعي هو الذي يجب ثبوت مدلوله ولا يمكن أن تكون دلالته باطلة، لكن يمكن أن يتعارض قطعي وظني، وهنا يُقدَّم القطعي أيًا كان مصدره؛ كما يمكن أن يتعارض ظنيان، وهنا يجب إعمال الجهد في المفاضلة بينهما بطرق الترجيح المعتبرة لدى العلماء.
والغالب أن ما يظنُّه البعض أو يتصوَّره تعارضًا بين العقل والشرع هو في الحقيقة تصور في الذهن البشري القاصر، إما بسبب فهم خاطئ للنصوص، أو بسبب علم مكتسب غير قطعي يتصوَّره صاحبه من الحقائق العلمية اليقينية وليس الأمر كذلك.
والإيمان المبني على التسليم للوحي جعل الموقف السلفي في هذه القضية يقوم على أساس دخول العقل تحت الوحي، بمعنى أن الوحي هو الموجِّه، وله السيادة، والعقل تابع، يمارس عمله ووظيفته في ظل توجيهات الوحي وإرشاداته، وبهذه التبعية من العقل للوحي يستقيم الأمر (راجع: السلفية وقضايا العصر: 199-203) .
قال ابن تيمية: (ثم الشرعي قد يكون سمعيًّا وقد يكون عقليًّا، فإن كون الدليل شرعيًّا يُراد به كون الشرع أثبته ودل عليه، ويُراد به كون الشرع أباحه وأذن فيه. فإن أُريد بالشرعي ما أثبته الشرع، فإما يكون معلومًا بالعقل أيضًا، ويكون الشرع نبه عليه فيكون شرعيًّا وعقليًّا، كأدلة التوحيد والمعاد ونحوها. وإما يكون الدليل الشرعي لا يُعلَم إلا بمجرد خبر الصادق، فإنه إذا أخبر بما لا يُعلَم إلا بخبره كان ذلك شرعيًّا سمعيًّا. وأما إذا أُريد بالشرعي ما أباحه الشرع وأذن فيه، فيدخل في ذلك ما أخبر به الصادق، وما دل عليه القرآن، وما دلَّت عليه وشهدت به الموجودات) (راجع: درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، 1/190) .
لقد أدرك السلف أنه لا تعارض بين النقل الصحيح والعقل الصحيح، وعرفوا قدر العقل في تأييد ما جاء به الشرع، وأكثروا من التأمُّل في الآيات الكونية، والنظر في الأمثلة العقلية الشاهدة على صدق الكتاب والسنة، والدالة على صحة العقائد الإسلامية، فألحقوا النظر العقلي بالأدلة الشرعية، وأمعنوا في دراسة كتاب الكون المنظور، كما أمعنوا في دراسة الوحي المقروء، ومكَّنتهم رجاحة عقولهم وسلامة منهجهم واجتنابهم لمتاهات الفلاسفة واضطراب المتكلمين من الوصول إلى موافقة العقل للشرع في كل ما جاء به، وأنه لا تعارض بينهما، وأقاموا بذلك الحجة البالغة لمن تأمَّل كلامهم ودرس علمهم، ووعى ما قالوا وما كتبوا.
إن العلوم منها ما هو يقيني قطعًا ومنها ما هو ظني لا يصل إلى درجة اليقين وإن كان مبنيًّا على أسس استنباطية صحيحة، ومنها ما يخضع للتجربة، ومنها ما يُدرَك بالاستنباط، ومنها ما لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق الوحي المعصوم. يقول ابن تيمية في تعريف العلم: (العلم إما نقل مصدَّق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم، وما سوى هذا فإما مزيَّف مردود، وإما موقوف لا يُعلَم أنه بهرج ولا منقود) (ينظر: المصدر السابق، ص 37، نقلًا عن مجموع الفتاوى 13/329-330) .
إن العلوم التي لا تخضع -أو لا يمكن في العقل السليم أن تخضع- للتجربة ليست داخلة في إطار العلم التجريبي؛ فإن قابلية الاختبار تعني أنها أمور لا يُدرَى نتيجتها حتى يتحقَّق منها بالاختبار أو التجربة، والتفسيرات المتعلقة بالأمور الغيبية أو الخارقة للطبيعة تقبع خارج نطاق ما يمكن دراسته من خلال العلم التجريبي.
إن من أسوأ صور الاضطراب في الفكر البشري أن يتداخل العالمان -الغيب والشهادة- المختلفان بعضهما في بعض في تصور الناس، والعلماء بالذات، فيقيسون بعضهما على بعض، ويستخدمون وسيلة المعرفة لأحدهما في الآخر، ونحو ذلك. وقد وقع لطوائف في البيئة الإسلامية تأثُّرًا بالفكر الوافد عليهم الذي كانت الفلسفة (الميتافيزيقية) مداخلة فيه العلوم الطبيعية والرياضية.
أما السلف فقد وقفوا عند ضوابط الوحي في هذا المجال. فالوحي حينما يتحدَّث عن عالم الشهادة بما فيه من عناصر وظواهر، يقرنه بذكر الحواس والعقل والتفكُّر، تنبيهًا على أنها طرق الوصول إلى معرفة حقائقه، وكثيرة هي خواتيم الآيات القرآنية التي تتحدَّث عن آيات الله الكونية من مثل: تتفكَّرون، تُبصرون، تعقلون... كما تنبِّه الآيات -أيضًا- إلى اشتمال هذا الكون على المقادير والإحصاء العددي وتنوُّعات أشيائه ونحو ذلك، مما يغري بالتتبُّع والبحث والنظر.
