بين الحوكمة الرشيدة واللامركزية
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وتَرْتَبِط الحوكمة الرشيدة ارتباطًا وثيقًا بمكافحة الفساد، وتُمَثِّل الحوكمة الرشيدة أحد العوامل التي يمكن بها الحد من الفساد داخل المجتمعات، لذا فإن بعض المبادئ الأساسية للحوكمة الرشيدة هي أيضًا مبادئ لمكافحة الفساد، وهي: المشاركة، وسيادة القانون، والشفافية، والاستجابة، وتوافقية التوجه، والعدالة والشمولية، والفعالية والكفاءة، والمساءلة. وعندما لا تَلتَزِم الأنظمة السياسية بهذه المبادئ الثمانية، فمن الممكن أن تكون مؤسساتها غير قادرة على تقديم الخدمات العامة وتلبية احتياجات مواطنيها.
ويُعَد الفساد إحدى صور سوء الإدارة وضعف تطبيق آليات الحوكمة (ويُعَرَّف الفساد بأنه إساءة استخدام السلطة العامة لتحقيق مكاسب خاصة)، ويَقْتَصِر هذا التعريف على إساءة استخدام السلطة العامة، أي يُرَكِّز على فساد الجهاز الإداري للدولة، وهذا لا يَنْفِي وجود فساد بالقطاع الخاص، بل يُشِير إلى خطورة الفساد الحكومي الذي قد يُتِيح المجال لتزايد صور وأشكال الفساد بالقطاع الخاص، والعكس صحيح، فكلما ازدادت كفاءة وشفافية الجهاز الحكومي، أسهمت في الحد من الفساد داخل المجتمع بشكل عام وأيضًا الحد من فساد القطاع الخاص. كما يُعَرَّف الفساد بأنه (استغلال السلطة الموكلة لتحقيق المكاسب الخاصة)، وأنه (إساءة استغلال السلطة المرتبطة بمنصب معين بهدف تحقيق مصالح شخصية على حساب المصالح العامة).
وتَخْتَلِف بالطبع درجة وحدة ونوع الفساد من دولة إلى أخرى وفقًا للعديد من العوامل، منها الإطار التشريعي والقانوني ومدى قوة إنفاذ القانون وتوفر أطر من الشفافية والنزاهة والمساءلة والمراقبة والمتابعة والوعي بخطورة الفساد على المجتمع.
وتَتَعَدَّد صور الفساد وفق المنظور أو القطاع الذي يظهر فيه، فإذا تحدثنا -مثلًا- عن إساءة استعمال واستغلال أرباب المناصب السياسية لسلطتهم لتحقيق مكاسب خاصة؛ فهذا يُعَد فسادًا سياسيًّا، أما إذا كانت هناك ممارسات غير قانونية، كما في الممارسات الاحتكارية التي تَضُر بالاقتصاد وتُهَدِّد أنشطته الإنتاجية، فهذا يُعَد فسادًا اقتصاديًّا؛ هذا بالإضافة إلى الفساد المالي والإداري الذي يَقُوم به الموظفون في أثناء تقديمهم الخدمات العامة.
ومن منظور آخر: هناك الفساد العرضي، وهو الذي يَحْدُث في بعض الأحيان من قبل أرباب المصلحة أو السلطة وليس بشكل دائم، بعكس الفساد المنظم الذي يَتَفَشَّى فيه الفساد في كل قطاعات المجتمع. وهناك الفساد المؤسسي، وهو الذي يظهر بمؤسسة بعينها. وهناك تصنيف آخر للفساد وفقًا للدرجة الوظيفية، فيوجد الفساد الصغير، ويُقْصَد به الفساد الذي يَقُوم به صغار الموظفين والمسؤولين، وهو في أغلب الأحوال فساد غير منظم، ولكن قد يكون شرطًا لإنهاء بعض الإجراءات بشكل سريع، أما الفساد الكبير، فهو فساد كبار المسؤولين لتحقيق مصالحهم الخاصة، ويَكُون منظمًا، ويَنْتَشِر إلى حد كبير بالدول النامية التي تُعَانِي من غياب الأطر التنظيمية والقانونية فيها.
ومن آثار الفساد الضارة على الاقتصاد:
- هدر الإنفاق العام وسوء توزيعه، ومن ثم زيادة العجز المالي وتراكم الديون، وأيضًا عدم وصول الدعم إلى مستحقيه، ومن ثم زيادة معدلات الفقر، وتدني مستوى المعيشة، والشعور بعدم المساواة والتهميش، وقد يصل الأمر إلى تزايد حالات العنف والجريمة داخل المجتمع.
- ضعف الرقابة المالية والإشراف على النظام المصرفي، ومن ثم تزايد جرائم الاحتيال والهروب من سداد القروض، بما يُهَدِّد الاستقرار المالي للدولة.
- ضعف كفاءة الاستثمار العام وهروب الاستثمارات الأجنبية والخاصة، نتيجة ارتفاع تكلفة المعاملات، وعدم توافر البيانات والمعلومات، وعدم القدرة على تطبيق القانون على الجميع.
- عدم توافر المخصصات المالية بالقدر الكافي لإتاحة وتطوير الخدمات العامة، وخاصة تلك الخدمات التي تَتَعَلَّق بتنمية رأس المال البشري، مثل الخدمات التعليمية والصحية، مما يؤثر في تكوين رأس مال بشري يَقُود عملية التنمية.
- هجرة العقول المتعلمة والمبتكرة التي لم تَجِد لها مجالًا للعمل والإنتاج والتطوير، وتَبْحَث عن ذلك خارج البلاد.
مما سبق يمكن استخلاص أن الفساد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي، وتزايد حدة الاختلالات الهيكلية والفجوات الطبقية داخل المجتمع، مما يُشَكِّل تهديدًا للاستقرار الأمني والسياسي للدول؛ كما أن هذا الوضع هو النقيض تمامًا للبيئة التي تُطَبِّق معايير الحوكمة، وخاصة الرشيدة التي تَقُوم على مبدأ تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، والقضاء على جميع صور التمييز، ومشاركة الجميع في عملية صنع التنمية، والاستفادة من ثمارها، ونشر الشفافية وإتاحة المعلومات بشكل كامل، وتطبيق آليات المراقبة والمتابعة والمساءلة والمحاسبة، وإدارة الموارد بشكل كفء، وتوفير للمواطن احتياجاته، وتَضْمَن جميع حقوقه، في إطار مؤسسات تَقُوم بدورها بدرجة عالية من الكفاءة والفاعلية.
مؤشرات الحوكمة الاقتصادية:
تُصْدِر العديد من المنظمات الجلية مؤشرات مختلفة لتقييم مدى جودة المؤسسات والحوكمة، وعلى الرغم من تعدد تلك المؤشرات وتنوعها، فمن أكثرها شيوعًا واستخدامًا، خاصة فيما يَتَعَلَّق بالحوكمة الاقتصادية:
- مؤشرات الحوكمة العامة: كمؤشر الحوكمة العالمي الصادر عن البنك الدولي.
- مؤشرات الفساد: كمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.
- مؤشرات تَتَعَلَّق بحوكمة الموازنة العامة: كمؤشر الموازنة الصادر عن الشراكة الدولية.
- مؤشرات تَتَعَلَّق ببيئة ممارسة الأعمال، وهي مؤشرات متخصصة تتناول الجوانب الاقتصادية المختلفة المتعلقة بالبيئة المناسبة لجذب الاستثمار وممارسة الأنشطة الاقتصادية بوجه عام، ومن أهمها: مؤشر ممارسة الأعمال، ومؤشر الحرية الاقتصادية الصادر عن مؤسسة هيريتدج.
وهناك العديد من التحديات التي تَعُوق مسار الحوكمة بشكل عام والاقتصادية بوجه خاص، والتي تَتَسَبَّب في تباطؤ معدلات التحسن في مؤشرات الحوكمة المختلفة أو تراجعها.
ومن أبرز تلك التحديات:
