تكنولوجيا النانو ما لها وما عليها (1-3)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتُعَدُّ تقنية النانو تقنية المستقبل، وقد بدأت هذه التقنية الواعدة تَدْخُل بالفعل في مجالات عديدة في حياتنا، في الطب والصناعة والإلكترونيات والمجال العسكري؛ كما أنها تَحْمِل كثيرًا من الحلول لمشكلاتنا البيئية والصحية والتقنية.
ونظرًا لكون تقنية النانو حديثة نسبيًّا، فليس من السهل على كل الدول البراعة فيها؛ خاصة الدول الأقل تقدمًا والأضعف في الإمكانيات، فتوطين تقنية النانو في أي دولة يتطلب التركيز على مجالات محددة تتوافق مع خطط وأهداف التنمية الوطنية وتراعي الخبرات المتاحة لنقل هذه التقنية سواء داخل مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي أو في العمالة في القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وتُستخدم كلمة (النانو) للدلالة على الجزء من المليار من وحدة القياس من الكتلة أو المسافة، والنانو يعادل طول خمس ذرات إذا وُضِعت الواحدة تلو الأخرى، بما يمثل واحدًا على مائة ألف من قطر شعرة الإنسان.
وقد كانت تقنية الميكرو هي التقنية المستخدمة في الأنظمة التقنية قبل ظهور تقنية النانو، حيث إن الميكرومتر هو مقياس طولي يساوي جزءًا من المليون من المتر. وقد استُخدمت الأجهزة الميكروية في عدد من الصناعات مثل طابعات الحبر النفاثة، ومجسات الضغط لقياس الهواء في إطارات السيارات والقافلات الضوئية المستخدمة في الاتصالات وفي إرسال المعلومات وغير ذلك. وقد أتاحت مادة السيليكون التي تُعَدُّ العصب الرئيس لصناعة الدوائر الإلكترونية المتكاملة العمر الطويل للأجهزة الميكروية لتعمل دون عطب.
واليوم تأتي تقنية النانو لتحل بديلًا عن الميكرو، حيث يمكن تصنيع الأجهزة الكهروميكانيكية والإلكترونية النانوية، وبالتالي تقليل حجم كل تلك الأجهزة المستخدمة بمقدار ألف مرة عن حجم أجهزة الميكرو، مما يؤدي إلى تغيير خصائص تلك الأجهزة إلى الأفضل، مما تُعَدُّ معه تقنية النانو أهم وأكبر الفتوحات العلمية التي توصل إليها الإنسان في العصر الحاضر، والتي تُعَقَّد عليها الآمال في تطوير مناحي الحياة والعيش معها بصورة أفضل.
علم النانو:
هو العلم الذي يتعامل مع المواد في مستواها الذري والجزيئي بمقياس لا يزيد عن 100 نانومتر، ويهتم باكتشاف ودراسة الخصائص المميزة لمواد النانو.
وقد ظهر مسمى تقنية النانو لأول مرة في السبعينيات عبر العالم الياباني في جامعة طوكيو البروفيسور نوريو تانيغوشي الذي ذكر أن تقنية النانو ترتكز على عمليات فصل واندماج وإعادة تشكيل المواد بواسطة ذرة واحدة أو جزيء، أي عمليات دقيقة للغاية تتم على مستوى الذرات والجزيئات بفصل أو ربط أو تغيير في المادة بمقدار ذرة واحدة أو جزيء واحد.
وجاءت كلمة النانوتكنولوجيا لتعني تقنية المواد المتناهية في الصغر، أو التقنية المجهرية أو تقنية المنمنمات. فهي التقنية التي تُعْطِينا القدرة على التحكم المباشر في المواد والأجهزة التي أبعادها تقل عن 100 نانومتر، وذلك بتصنيعها وبمراقبتها وقياس ودراسة خصائصها. ويقوم أساس عمل تقنية النانو على إعادة ترتيب الذرات لتصنيع جزيئات جديدة ذات مواصفات جديدة محددة ومخطط لها.
وفي عام 1986 بدأ أول استخدام لمصطلح تقنية النانو في الأوساط العلمية بعدد من المحاضرات، وظهور بعض الكتب حول هذه التقنية، ولكن كانت تقنية النانو وتطبيقاتها وقتها مجرد فرضيات بعيدة في نظر الكثيرين عن الواقع التطبيقي والعملي. وخلال العشرين سنة الأخيرة استطاعت الأجهزة والتقنيات الحديثة أن تجعل من التعامل مع عالم الذرات ومع جسيمات النانو أمرًا ممكنًا من الناحية العملية.
من وجهة النظر الفيزيائية الإلكترونية:
تُعَدُّ تقنية النانو هي الجيل الخامس في عالم الإلكترونيات، إذ سبقها أربعة أجيال مهدت للمرحلة الراهنة، وهي:
الجيل الأول: المصباح الإلكتروني، ويدخل فيه التلفزيون.
الجيل الثاني: استخدام الترانزستور بتطبيقاته الواسعة.
الجيل الثالث: الدوائر المتكاملة، والتي كانت قفزة هائلة اختزلت حجم العديد من الأجهزة ورفعت كفاءتها وعددت من وظائفها.
الجيل الرابع: المعالجات الدقيقة، والتي أنتجت الحاسوب الشخصي والرقائق الحاسوبية السيليكونية.
الجيل الخامس: وهو الجيل الحالي، جيل الجزيئات المتناهية الصغر (المنمنمات)، والتقنية المجهرية الدقيقة، وتكنولوجيا النانو.
ومما لا شك فيه: أن تقنية النانو سوف تدفع بالبشرية نحو علم مذهل، فمن المتوقع لهذه التقنية إحداث سلسلة من الثورات والاكتشافات العلمية خلال العقود القليلة القادمة، وما سيرافقها من تغيير هائل في الكثير من ملامح الحياة في شتى المجالات، فتقنية النانو تقنية متشعبة، ويمكنها أن تقدم في كل يوم ابتكارات تغير وجه العالم وتصنع ما يشبه المعجزات في جميع فروع العلوم المختلفة.
ومن تلك المجالات التي سيكون لتقنية النانو فيها دورها في مجال التغذية؛ سواء على مستوى الزراعة أو الإنتاج الغذائي أو على مستوى حفظها والمحافظة على قيمتها الغذائية، حيث تعمل العديد من الشركات على تطوير مواد نانوية تؤثر في طعم وسلامة الأغذية وفوائدها الصحية. كما أمكن إضافة النانو كمادة في تصنيع عصائر الفواكه وكذلك الأجبان.
ومع أن جميع المواد التقليدية تُعَدُّ بمثابة خامات أولية تُستخدم في تخليق المواد النانوية، فإن المواد النانوية المخلقة منها لها خواص فيزيائية وكيميائية وميكانيكية مختلفة وفريدة عن المواد التقليدية، ويمكن تصنيع المواد النانوية على عدة أشكال بناءً على الاستخدام المقرر لهذه المواد.
من أهم خواص المواد النانوية التي حصلت عليها نتيجة اتساع مساحة سطحها الخارجي:
- زيادة درجة صلابة المواد الفلزية وزيادة مقاومتها للأحمال الواقعة عليها، وذلك كنتيجة لتصغير حجم حبيبات المادة وبالتالي وجود أعداد ضخمة من الذرات على أوجه سطحها الخارجي.
- القدرة على الحد من التلوث البيئي، حيث تعمل المواد النانوية كمحفزات تتفاعل بقوة مع الغازات السامة.
