حوار موقع إسلام أون لاين مع الشيخ ياسر برهامي
صوت السلف • حوارات
المنهج السلفي بهذا المعنى لا يحتمل التطور ولا التبدل، بل هو متجاوز للزمان والمكان والأفراد والجماعات، والتبديل فيه والتحريف بدعوى التطوير جرأة وافتئات على الشرع. أما العمل وفق هذا المنهج في أطر عملية ودعوية يقوم بها البشر فإن الأمر في النهاية متعلق ببشر يسري عليهم ما يسري على البشر من الخطأ والنسيان، والموت والمرض، والانتقال والإكراه والأهواء والفتن، وبالتالي فلا بد من مراجعة دائمة لمدى تمسك هؤلاء الدعاة السلفيين بالمنهج السلفي حتى يتحقق التطهير والتنقية الدائمة للثوب السلفي النقي الذي هو كالثوب الأبيض نقاء وبالتالي تظهر فيه أدنى العيوب بعكس الأثواب الأخرى التي هي أقرب إلى الأسمال البالية ومع ذلك يفخر بها لابسوها لمجرد أنها ملونة وغير تقليدية. كما لا بد لهؤلاء الدعاة السلفيين من تطوير إمكاناتهم، وبذل مزيد من الجهد في الالتصاق بواقع الناس والاقتراب من مشاكلهم الحقيقية، وكذلك إعداد الأجيال التي تتحمل المسئولية.
الجهاد رحمة للعالمين
- كيف يمكن تفسير هذا الزخم والحضور المتعاظم للحركة الجهادية الخارجة أصلا من رحم "السلفية"؛ هل هي إعلان شرعي عن ذراع عسكرية سلفية؟
- لا شك أن الجهاد بضوابطه الشرعية هو جزء من هذا الدين، بل هو ذروة سنامه كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن لا يتوقف القيام بالدين على وجوده من الأفراد، فقد يوجد من يكون قائمًا بالدين، وهو عاجز عن بعض صور الجهاد. وينبغي الانتباه إلى أنه قد أصبح اسم السلفية مستعملا لاتجاهات شتى متفاوتة، حتى من يكفرون عوام المسلمين منهم من يتسمى بالسلفية، وكثير ممن سمي بالسلفية الجهادية مثلا -وليس كل من تسمى- عنده جرأة في التكفير، وفى سفك الدماء كالتفجيرات العشوائية في شوارع وأسواق المسلمين، بل وأحيانا مساجدهم، وأنا أعني من يقوم بهذه الأعمال أو يرضى بها ويسوغها
الجهاد إنما شرعه الله رحمة للعالمين من ظلمات الكفر والبغي، وليس وسيلة للعلو في الأرض والانتقام من الخلق
ثم إنه لا يتصور أن تكون الحركات الجهادية الإسلامية السنية بصفة عامة لها جذور في غير السلفية؛ لأنها هي الفهم الصحيح للإسلام، فهل يتصور أن تخرج مثلا من رحم الصوفية، أو من رحم ما يسمى زورا بالإسلام المعتدل المستنير الذي يستنير في الحقيقة بغير نور الشرع؟! ولا يلزم من كون أن لها جذورًا سلفية أن كل أفرادها وجماعاتها يكون ملتزمًا التزامًا صادقًا بالمنهج السلفي، بل قد تدخل بعض هؤلاء جذور أخرى.
أنا أفهم أنك تنقل هذا السؤال بناء على أن هذه هي تساؤلات المراقبين للحالة الإسلامية، ولكن إيراد السؤال على مثل هذا النحو من قبل أعداء السلفية يكون مبطـَّـنا بنوع من الطعن على السلفية وكأن هناك بديلا إسلاميًا آخر لا تخرج من رحمه حركات جهادية، وبالتالي ينبغي أن يُقبل هذا البديل، أو أن تتبرأ السلفية على الأقل من الجهاد -حتى بضوابطه الشرعية-؛ وإلا مورست ضدها أنواع الدعاية المغرضة التي مفادها أن للسلفية ذراعا عسكرية توشك أن تعمل بالذبح في رقاب أبناء المسلمين، وتقفز إلى السلطة وتغمد سيفها في قلوب معارضيها، وبالتالي يكون المطلوب من الحكومات هو بتر هذه الذراع إن وجدت وتجفيف منابع خروجها حتى لو لم توجد.
سيبقى الجهاد إلى يوم القيامة، والمطلوب ممن يسر الله لهم سبل الجهاد في سبيله أن يلتزموا بأحكام الشرع، وأن يلزموا غرز علماء الأمة المعتبرين، وأن يعلموا أن الجهاد إنما شرعه الله رحمة للعالمين من ظلمات الكفر والبغي، وليس وسيلة للعلو في الأرض والانتقام من الخلق.
ملامح الإصلاح السلفي
- ما أبرز ملامح المنهج السلفي في التغيير والإصلاح، وما مدى قابليته للتعايش مع الواقع الحالي، بكل تفاصيله وهمومه ومساوئه، حتى يتقبله الناس؟
- قبل أن نطرح تصورنا في الإصلاح نقرر أن واقعنا لا يزال أصغر بكثير من منهجنا، وأن حالنا أبعد عما نعلم أن يلزمنا أن نكون عليه، ولكن الواجب النصيحة، والأمل في أن يكون الجميع على الطريق المستقيم -ولو كان السير بطيئًا لا خارجًا عنه- هو الذي يدفعنا إلى هذا الطرح، فمنهج الدعوة السلفية يمكن تلخيصه في الآتي:
أولا: الدعوة إلى الدين: إلى الإسلام والإيمان والإحسان بمعانيه وأركانه، من معرفة الله بأسمائه وصفاته والتعبد له بها وتوحيد الربوبية والألوهية، والكفر بالطاغوت، ومحاربة الشرك في كل صوره القديمة والحديثة، من شرك القبور والخرافات، وشرك الحكم والولاء وغير ذلك.
وكذا الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقضاء والقدر، وما يتبع ذلك من قضايا الاعتقاد في الصحابة ومسائل الإيمان والكفر، وتحقيق الاتباع للسنة في العبادات والمعاملات ومحاربة البدعة، وتقرير مناهج الاستدلال وتحقيق التزكية عبادة وخلقاً ومعاملة، والسير في طريق الدعوة وإقامة الدين وإعلاء كلمة الله في الأرض، كل هذا على وفق منهج أهل السنة والجماعة إجمالاً وتفصيلاً.
الدعوة إلى الدين بهذا المفهوم الشامل أولى الأولويات في العمل الإسلامي
ونقرر أن الدعوة إلى الدين بهذا المفهوم الشامل هي أصل دعوة الرسل وهي الطريق الذي سار عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته، فهذا المنهج هو أولى الأولويات في العمل، والذي لا يتحقق أي واجب بعده بدون هذا الواجب الأول، وهذا المنهج تجب الدعوة إليه بكل الطرق وتربية الناس عليه بالوسائل العامة كالخطبة والدرس والكتاب والنشرات العامة وقوافل الدعوة، وغير ذلك من وسائل التربية.
