"رسالة الشافعي" دُرَّة تاج المفاخر المصرية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
ومرَّ كرحلة عِلْم على اللغة وأشعارها، ثم فقه المكِّيِّين، ثم فقه مالك -رحمه الله-، ثم فقه أبي حنيفة -رحمه الله-؛ أخذه عن صاحبه محمد بن الحسن.
وهنا تلمَّس فيه عبد الرحمن بن مهدي أنه خيرُ مَن يُسأل عن النصوص وكيفيَّة الاستنباط منها، وحدود إعمال الرأي فيها؛ فكتب الشافعيُّ -رحمه الله- الجواب له في رسالة، ومن هنا أخذت اسم الرسالة. فقال عبد الرحمن بن مهدي: "لمَّا نظرت "الرسالة" للشافعي أذهلتني؛ لأنِّي رأيتُ كلام رجل عاقل فصيح ناصح، فإنِّي لأكثر الدعاء له"، بل قال: "ما أصلِّي صلاة إلَّا وأنا أدعو للشافعي فيها".
ورسالة الشافعيِّ لعبد الرحمن بن مهديٍّ لم تصل إلينا، بل وصلت لنا لمَّا أعاد إملاءها بأوفى من الأولى.
فقد كرَّم الله مصر بوفود الشافعيِّ إليها، وهو وفود لا يفوقه في الفضل على أهل مصر عبر تاريخها كلِّه إلَّا وفود عمرو بن العاص -رضي الله عنه- ومَن معه -رضي الله عنهم- حاملًا نور الإسلام إليها.
جاء الشافعيُّ إلى مصر ليعيد إملاء علمه، وكان ممَّا أعاد إملاءه كتاب "الرسالة"، وإن كانت شعوب كثيرة قد شاركت أهل مصر في انتساب الشافعيِّ إليهم؛ إلا أن نصيب أهل مصر من الشافعيِّ قد ازداد جدًّا على يد راوي علم الشافعيِّ عمومًا وكتاب الرسالة خصوصًا "الربيع بن سليمان"، شيخ مؤذِّني جامع الفسطاط وإمام محدِّثي مصر؛ قال فيه الشافعي: "الربيع راوية كتبي".
ثمَّ اكتمل دور المصريِّين في "الرسالة" بمحدِّث الأزهر العلَّامة أحمد محمد شاكر الذي حقَّق كتاب الرسالة تحقيقًا شافيًا نافعًا، فصارت الرسالة في صورتها الأخيرة إنتاجًا مصريًّا تفاخر به مصر العالم عبر التاريخ.
ولعلَّ سائل يسأل: وهل يبلغ الكتاب كلَّ تلك المنزلة السامية؟
والإجابة يعرفها كلُّ من تعامل مع قضيَّة فهم النصِّ القرآنيِّ والحديث النبويِّ بصفة خاصَّة، بل كلُّ من تعامل مع قضيَّة تفسير النصوص اللغويَّة بصفة عامَّة.
لقد شبَّه بعضهم كتابَ الرسالة بوضع أرسطوطاليس لأصول المنطق، ولكنِّي أقول: إن مبدأ المقارنة فيه ظلم لرسالة الشافعيِّ، وكما قال القائل:
ألا تـرى أن السـيـف يـنـقـص قـدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصى
لقد هيَّأ الله الشافعيِّ لهذه المهمَّة من اشتغاله باللغة في بداية أمره وحفظه لكلِّ أشعار العرب، ثمَّ تشبُّعه بمذهب أصحاب الحديث على يد مالك -رحمه الله-، ثمَّ إلمامه بمذهب أصحاب الرأي واكتشافه للثغرات التي ينفذ منها الرأي متجاوزًا حدود التفسير والفهم والاستنباط إلى مصادمة النصِّ ذاته.
ثمَّ درس في عِدَّة بلاد، فأدرك كيف صارت هذه الأمور صعبة مع اختلاط العرب بالعجم، ومع بعد العهد عن زمان النبوَّة.
وقد تقف مندهشًا أمام نظرة "نيوتن" التأمُّليَّة العميقة في سقوط تفاحته، أو تنبهر بقدرة تايلور على صياغة تجاربه على هيئة قواعد أسَّست لعلم الإدارة، أو تدهشك تلك الأذن المرهفة للخليل بن أحمد -رحمه الله- وكيف حلََّل عقله ما غذَّته به أذنه، ولكن كلُّ هذا يتضاءل أمام عمل الشافعيِّ في الرسالة.
لقد شَرَح لنا الشافعي بطريقة يفهمها كلُّ من جاء بعده إلى زماننا هذا عمل العلماء الذين كانوا لا يصلون إلى هذه الملكة إلا بذكاء فطريٍّ وسليقة لغويَّة، وتعاهد للنصوص ومعايشة لها بالسنوات، بل بالعقود!
لقد كان من الممكن بدون كتاب الرسالة أن يظهر لنا إمام كأحمد بن حنبل -رحمه الله- في كلِّ عصر، ولكن "الرسالة" جعلت وجود أمثال هؤلاء المجتهدين أيسر وجعلت عدد المرشحين لبلوغ هذه الرتبة أكبر، كما أنها ساعدت بالإضافة إلى ذلك وبشكل كبير جدا على وجود جمهرة عريضة من العلماء مثلت طبقة تالية للمجتهدين، ممن لم يبلغوا رتبة الاجتهاد المطلق إلا أن لديهم القدرة على فهم النصوص ومعرفة أقوال المجتهدين وكيف استنبطوها من النصوص، ولديهم القدرة على حمل هذا العلم وعلى تخريج ما يستجدُّ من مسائله على ما مضى، وأن يجيدوا صناعة الفتوى وإسقاط الحكم على الواقع المساوي له.
باختصارٍ شديدٍ: رتَّب الشافعي -رحمه الله- العقل الاستدلالي الإسلامي، ورسم طريق تكوين ملكة الاستنباط: فلم يقتصر دور الرسالة على خدمة الفقه فقط، بل خدمته لما يُعرف بقضايا أصول الدين والاعتقاد أعظم؛ حيث وضع الشافعي يده على الثغرات التي نفذت منها المناهج الفلسفية والكلامية.
بل يمكن أن نقول: إنه لا يوجد في تاريخ البشرية قبل "الرسالة" كتاب يبين لك كيف تفهم نصًّا لغويًّا فهمًا منضبطًا يجعل دورك هو استكشاف مراد القائل لا حمله على مرادك أنت.
ولعل المدارس الحداثية تَئِن (من الشافعي) خاصة؛ لكونهم يريدون أن تكون سلطة المفسِّر -وإن شئت قل: المُؤَوِّل، أو إن شئت الدقة أكثر قل: المُحَرِّف- طاغية على مراد قائل النص! وهم يظنون أنهم بذلك يجمعون بين الأصالة والمعاصرة، وهذا تحريف للنص أيًّا ما كان هذا النص، وإن قَبِلَهُ مَنْ قَبِلَهُ على تراثه، ولكن أمة الإسلام -بفضل الله وحفظه لدينه أولًا، ثم بجهود الأئمة الأعلام وفي القلب منهم في هذه القضية خاصة الإمام الشافعي- لم تقبل قط هذا على كتاب ربها وسنة نبيها؛ مصداقًا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلْفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ ) (أخرجه أبو نعيم، والبيهقي، وقال الألباني: "مرسل"، لكن روي موصولًا من طريق جماعة من الصحابة، وصحَّح بعض طرقه الحافظ العلائي) .
وقد ذكر "صاحب كتاب العظماء مائة" معيار العظمة عنده أنه لا ينظر فيه إلى عظمة ما أنتجه الشخص فحسب، بل أيضًا أن يكون قد تفرَّد به عن أهل عصره بحيث يغلب على الظنِّ أنَّه لو لم يفعله هو لم يكن ليفعل. وبهذا المعيار يمكنك أن تعتبر رسالة الشافعيِّ من أعلى وأندر وأهمِّ ما أنتجته عقول البشر.
