"رسالة الشافعي" دُرَّة تاج المفاخر المصرية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال -تعالى-: ( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ) ( المؤمنون: 52 ).
فالمسلمون وإن تباعدتْ ديارُهم أو اختلفت أزمانهم، أُمَّة واحدة تجمعها راية التوحيد في مسيرةٍ قادها أنبياء الله ورسلُه من لدن آدم -عليه السلام- إلى محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ قال -تعالى-: ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) ( الزخرف: 45 ).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( نَحْنُ مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، دِينُنَا وَاحِدٌ وَأُمَّهَاتُنَا شَتَّى ) ( متفق عليه ). أي: شرائعنا مختلفة.
وهذا موسى -عليه السلام- يشفق على أمَّة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- من مشقَّة التكليف بخمسين صلاة في اليوم، فما زال ينصح رسولنا -صلى الله عليه وسلم- أن يسأل ربَّه التخفيف حتى صارت خمسًا في العمل، وبقيت خمسين في الأجر -بحمد الله تعالى-.
وفي المقابل: سَنَّ لنا نبينُا -صلى الله عليه وسلم- أن نصوم يوم عاشوراء لله شكرًا لله على نجاة موسى -عليه السلام- ومَن معه، مِن فرعون وملئه.
ونتيجة انصهار كلِّ القوميَّات والأعراق والأنساب والألسنة في بوتقة أمَّة الإسلام، قال قائلهم:
أبى الإسلام لا أب لي سواهُ إذا افـتخـروا بقيس أو تميمِ
ومع هذا، فلا يَمنع هذا الانصهار في بوتقة الأمَّة الواحدة أن يُشبِع الإنسان غريزة حبِّ أهله وعشيرته وأرضه، ما لم يتعارض هذا مع حبِّه لدين الله ونصرته له.
ونحن أهل مصر نفخر: بأنَّ بلادنا دخلت في الإسلام عام 20 هجريَّة بعد فتح مكَّة بعشر سنوات فقط.
ونفخر: أنَّ مِن بلادنا انطلق الفتح الإسلاميُّ، ففتح كلَّ شمال إفريقيا في زمن يسير، ودخل إخواننا من البربر في دين الله -تعالى-، ثمَّ انتقل المجاهدون مِن: العرب والقبط والبربر، وقد تحول لسانُهم إلى اللسان العربيِّ، وصاروا جُنْد تلك الأمَّة، وفتحوا الأندلس فتحوَّلت تلك الأرض البراري القفر على أيديهم إلى الأندلس الغَنََّاء، وحَدِّث ولا حرج عن الأندلس وجامعاتها وعلومها من طبٍّ إلى هندسة إلى عمارة، إلى كلِّ فنون الدنيا!
في ذلك الوقت كانت اللغة العربية هي لغة العلوم حتى إن أوربا كانت ترسل بعثاتها للتعلُّم هناك، فيعودون وهم حريصون على دمج بعض الكلمات العربية في كلامهم لإبراز أنهم درسوا في "الأندلس".
وتلك الأندلس بكلِّ روعتها كان فتح بلادنا مصر مقدِّمة لها، ثمَّ لمَّا سقطت الأندلس كانت بلادنا مصر هي التي احتضنت معظم علماء الأندلس، فواصلوا منها مسيرتهم العلميَّة الشامخة.
ولا شكَّ أنَّ تاريخ بلادنا قبل الإسلام كان فيه من أنواع العمران ما يبعث على الدهشة من كونه قد شُيِّد قبل زمن التكنولوجيا، ومع هذا فكثير منه لا يمكن محاكاته ولو بالتكنولوجيا الحديثة!
وقد أضاف المسلمون الكثيرَ من الروائع الإنشائية، ولكنهم أسَّسوا للعلوم التجريبية والتي أخذتها عنهم أوروبا بعد ذلك، فكان إنتاجهم من هذه الحيثيَّة أكثر نفعًا للبشرية؛ إلا أن الأنفع على الإطلاق هو هذا الدين الذي انتفعت به كلُّ البشريَّة، فمَن آمن به انتفع به في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن به وأخذ بشيء ممَّا جاء فيه من الأخلاق والآداب، كان أعظم نفعًا له من أي جانب مادي آخر، فكلُّ ما يتعلَّق بالإنسان بلا شكٍّ أعلى ممَّا يتعلَّق بما في الكون ممَّا هو مسخَّر للإنسان.
ولا بأس -وأنت تتصفَّح صفحات التاريخ-: أن تقف عند كلِّ صفحة؛ تنظر وتتعلَّم وتتدبَّر، وقد أخذ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فكرة حفر الخندق الفارسيَّة وهم كفَّار من جهة، بل وليس بينه وبينهم نسب من جهة أخرى، ولكن يجوز نقل الأشياء النافعة من كلِّ أحد، ولكن قبل أن ننقل شيئًا عن أمَّة أخرى لا بدَّ من عرضه على كتاب الله وسنَّة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فإن كان لا يخدش عقيدة التوحيد ولا يتضمَّن أمرًا محرَّمًا وكان فيه مصلحة للمسلمين فبها ونعمت.
وإن كانت غير ذلك فأمامنا القدوة الحسنة في إمام هذه الملَّة إبراهيم -عليه السلام-: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) ( الممتحنة: 4 ).
إذًا فنحن نملك ما نفخر به في شأن الدُّنيا، ونملك ما نفخر به في شأن ديننا الشامل الكامل الذي أكمله الله لنا وأتمَّ علينا به النعمة: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) ( المائدة: 3 )، ولكن حال مفاخر الدُّنيا ومفاخر الدين كحال المصنوعات الخزفيَّة والمجوهرات الثمينة، قد تقف لبرهة عند جمال الأولى، ولكنها لا يمكن أن تثبت في أي مقارنة مع الثانية؛ قال -تعالى-: ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) ( الأعلى: 16-17 ).
وقال مالك بن دينار -رحمه الله-: "لو كانت الدُّنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لكان الواجب أن يُؤْثَر خزف يبقى على ذهب يفنى؛ فكيف والآخرة من ذهب يبقى والدُّنيا من خزف يفنى!".
فإذا فتحت خِزَانَة مجوهرات المصريِّين سأجد في موقع بارز منه كتاب الرسالة للإمام الشافعيِّ -رحمه الله-، والإمام الشافعيُّ القرشيُّ نسبًا، الغزَّاويُّ مولدًا، المصريُّ وفاة، وما بين الميلاد الغزَّاويِّ على حدود مصر الشرقيَّة والاستقرار في قلبها في السنوات الخمس الأخيرة من عمره مرَّ على مكَّة والمدينة واليمن والعراق، فلكلِّ شعب من هذه الشعوب منه نصيب؛ بيد أنَّ نصيب مصر منه كان النصيب الذي تمَّ نضجه وبلغ أشده.
