تكنولوجيا النانو ما لها وما عليها (2-3)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن أهم وأعظم تطبيقات تكنولوجيا النانو تطبيقاتها في مجال الطب؛ إذ إنها تَرتبط بصحة الإنسان وحياته. ولقد بدأنا نعيش عصر تقنيات طبية نانوية ستُغيِّر كثيرًا من الطرق التقليدية في علاج الأمراض، وتَفتح أبواب الأمل في العلاج لكثير من الأمراض، ومنها أمراض كنا نراها مستعصية، ومن هنا يرى الباحثون أن طب النانو هو طب المستقبل.
من تطبيقات تقنية النانو في العلاج بالأدوية:
يتوقع العلماء طفرة كبيرة في مفهوم العلاج بالأدوية، وتشير الأبحاث المنشورة حديثًا إلى إمكانية حمل وتوجيه وتوصيل أدوية العلاج إلى الأجزاء المصابة في جسم الإنسان دون غيرها، مع التحكم في جرعات العلاج على فترات زمنية مختلفة، وذلك من خلال تصنيع جسيمات متناهية الصغر وتغيير خصائصها، مما يُعطيها القدرة على دخول جسم الإنسان والحركة والانتقال فيه من خلال الشعيرات الدموية والأغشية الحيوية داخل الجسم، بما يُعطي القدرة على إيصال الدواء عن طريقها إلى أعضاء وأنسجة محددة دون غيرها.
وهذه الأبحاث -ما زالت- في مراحلها الأولية وتحتاج إلى وقت طويل حتى يتم التأكد من سلامتها حال دخولها جسم الإنسان، وهي تقنية -بلا شك- عظيمة الفوائد في تطوير طرق إيصال الدواء.
ومن فوائدها:
- القدرة على توجيه الدواء مباشرة إلى الجزء المصاب في جسم الإنسان تحديدًا دون التأثير على الأنسجة السليمة القريبة منه.
- التحكم في عملية إطلاق العلاج داخل جسم الإنسان على فترات زمنية محددة وبكميات محددة.
- تقليل التسمم الناتج عن استخدام جرعات زائدة عن الحاجة.
- تقليل تكاليف الدواء، وتوفير طرق علاج بتكلفة أقل.
- تقليل معاناة المرضى من الآلام والمتاعب من خلال استخدام طرق العلاج التقليدية.
ومن المتوقع أن تُساهم الجسيمات النانوية للمركبات غير العضوية في تحسين إيصال الدواء لسهولة تحضيرها والتحكم في شكلها وحجمها وقدرتها على التكيف مع درجة الحرارة المحيطة بها، وقدرتها كذلك على حماية المركبات الحيوية المرتبطة بها، فهذه الجسيمات متوافقة مع أنظمة الجسم الحيوية، ودرجة سميتها ضعيفة جدًّا.
ومن صور ذلك: ما أظهرته بعض الدراسات الحديثة من إمكانية استخدام جسيمات السيليكا متناهية الصغر في احتواء عقار مضاد للسرطان قابل للتفاعل مع الضوء، يمكن تفعيله عند وصوله إلى منطقة الورم عن طريق تسليط الضوء بطول موجي محدد، مما يُقلل الآثار السلبية على الأنسجة السليمة المجاورة، كما يمكن أن تَلعب الجسيمات النانوية للمركبات العضوية أيضًا دورًا كبيرًا في إيصال الدواء إلى مناطق الجسم المصابة؛ لما لها من خصائص فريدة متعلقة بشكلها والقدرة على بناء النهايات الخارجية لربط المركبات بها، كما يمكن الاستفادة من تجويفها الداخلي لحمل الدواء وإيصاله إلى المنطقة المصابة، ولقدرتها على الذوبان في الماء والزيت في آن واحد، يمكنها حمل المركبات الدوائية المختلفة الذوبان، ثم إطلاقها بمعدل مناسب للعلاج.
المساهمة في اكتشاف الأدوية:
سوف تُساهم تقنية النانو في اكتشاف العقاقير المختلفة؛ مما سيزيد من الأدوية المرشحة للاستخدام من خلال الدراسات بمقدار ثلاثة أضعاف المركبات الدوائية الموجودة حاليًا.
ومن هذه الأدوية المرشحة للتصنيع والاستخدام في العلاج:
النانوبيوتك:
وهي البديل الجديد للمضادات الحيوية، والتي يمكنها القضاء على سلالات البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية. فمن ذلك أن الباحثين استطاعوا إدخال نانو الفضة إلى المضادات الحيوية، وذلك عن طريق تصغير حبيبات الفضة إلى أقطار تقل عن واحد نانومتر، مما يعمل على زيادة كبيرة في مساحة سطح الحبيبات. وتشير نتائج الأبحاث إلى أن حبيبات الفضة البلورية لها قدرة مدهشة على قتل أنواع كثيرة من الميكروبات الضارة.
مواد التعقيم:
فقد نجحت شركة يابانية باستخدام تقنية النانو ومادة التيتانيوم في إنتاج سائل شفاف عديم اللون والرائحة من أكسيد التيتانيوم، له مواصفات خاصة يمكن استخدامه في أعمال التعقيم للقضاء على البكتيريا ومقاومة الروائح، وقد استُخدم هذا السائل في مستشفيات كبيرة لتعقيم غرف العمليات وغرف المرضى وفي علاج العديد من حالات التلوث.
صناعة الدواء داخل جسم الإنسان:
حيث تمكن فريق من الباحثين من تصنيع كبسولة نانوية دقيقة لها القدرة على الاستجابة لمؤثر خارجي للبدء في تصنيع جزيئات دوائية بروتينية داخل الجسم بطريقة تحاكي الطريقة التي يتم بها تصنيع تلك البروتينات داخل الكائنات الحية. وهذه الآلات النانوية عبارة عن كبسولات مفرغة مصنوعة من مواد دهنية، يقدر حجمها بحوالي 170 نانومتر، تحتوي على آلية تقوم بتصنيع جزيئات من البروتين ذات خصائص دوائية تشبه آلية تصنيعها داخل جسم الإنسان، تتكون من أجزاء من الحمض النووي المحبوسة داخل قفص من مادة تتحلل ضوئيًا، بالإضافة إلى بعض الإنزيمات والأحماض الأمينية وأجسام الريبوسوم. وعندما تستجيب تلك الآلية للمؤثر الخارجي -وهو عبارة عن شعاع ليزر فوق بنفسجي- يقوم بتحليل القفص الذي به الحمض النووي ليتم تحريره، ثم يتم نسخ ذلك الحمض النووي إلى حمض نووي ريبوزي يتم ترجمته عبر الريبوسوم بواسطة إنزيمات النسخ وبمساعدة إنزيمات أخرى لتكوين البروتين الدوائي المطلوب، أي يتم تصنيع الدواء داخل الجسم عبر تلك المصانع النانوية، مع القدرة على التحكم في إطلاق ذلك الدواء عند الحاجة فقط. وعلى الرغم من أن أمام تلك الآلات النانوية عدة سنوات -تقصر أو تطول- قبل أن تكون متاحة للاستخدام بالفعل، فإن هذا المفهوم الدوائي هو شرارة البدء لثورة من نوع آخر للقضاء على الأمراض وتوفير صحة أفضل للبشر.
تطبيقات تقنية النانو في تشخيص الأمراض:
يُساهم التشخيص الطبي الدقيق في الاكتشاف المبكر للأمراض، مما يُعجل بالعلاج الناجح وبأقل تكلفة، مع الراحة النفسية للمرضى بتقليل فترة العلاج. وتُعقد الآمال على تقنية النانو في تطوير عمليات التشخيص المبكر ومعرفة أسباب الأمراض وطرق حدوثها مبكرًا.
