تكنولوجيا النانو ما لها وما عليها (3-3)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيرى كثيرٌ من الباحثين في مجال تكنولوجيا النانو أنه من الممكن استخدام آلات من جزيئات النانو لإعادة بناء الأعضاء التالفة في جسم الإنسان، أو القيام بتعديلات تجميلية، أو توفير أعضاء جديدة قادرة على القيام بوظائف معززة وقوية، أو تجديد أطراف مفقودة أو معطوبة أو إعادتها إلى حالتها السابقة. ويرى الباحثون أيضًا إمكانية أن تقوم تقنية النانو بالمساهمة في التئام الجروح بعد العمليات الجراحية، أو إعادة تنظيم ميكانيكية التحكم في الخلايا والعضلات، وإصلاح الخلايا وتحسين وظائفها وتجديد الأنسجة التي بها تلف.
إن تقنيات النانو وإن كانت لا تستطيع خلق خلايا جديدة؛ فإنها يمكن أن تساهم في تجديد وتحسين الخلايا الموجودة، وهذا يجعل الهدف النهائي من تطبيقات النانو ليس هو فقط معالجة الأمراض الطارئة، ولكن الهدف الأكبر هو الإبقاء كذلك على صحة وسلامة الإنسان لأطول فترة زمنية ممكنة، وبالتالي تأخير ظهور الشيخوخة، بل والدخول في صراع مع الشيخوخة من أجل الحفاظ على حيوية الجسم ونشاطه وقدرته على العمل والعطاء لأطول فترة ممكنة.
تطبيقات تقنيات النانو في مجال الغذاء:
من التطبيقات المهمة لتقنية النانو تطبيقاتها في مجال الغذاء الصحي، وهو ما يطلق عليه (الغذاء النانوي)؛ أي: الغذاء الذي استعملت تقنيات النانو في إنتاجه ككل أو في أي مرحلة من مراحل إنتاجه، أي: استخدام تقنية النانو في زراعة الغذاء أو معالجته أو تغليفه.
ويعد تغليف الأغذية حاليًا أحد أكثر التطبيقات العملية لتقنية النانو، حيث يتم صنع أغلفة بلاستيكية قوية وخفيفة، ولها قدرة على مقاومة الحرارة وقادرة على منع الأكسجين وثاني أكسيد الكربون من الدخول إلى الطعام وإفساده، كما يتم تطبيق تقنيات النانو لتغليف خاص مقاوم للبكتيريا والميكروبات.
وفي مجال حفظ المنتجات الغذائية السابقة الإعداد أو الطهي ستستخدم تقنية النانو في حفظ المواد الغذائية الطازجة؛ مثل: اللحوم، والفواكه والخضروات، والمخبوزات، والوجبات الطازجة السابق إعدادها، وذلك بتغليفها بأفلام رقيقة من البلمرات الشفافة التي لا يزيد سمكها عن 5 نانومتر، حيث يدمج بها حبيبات أو أنابيب نانوية تعمل على غلق مسام المواد الغذائية ومنع وصول الرطوبة إلى الغذاء الطازج الموجود داخل العبوة.
ونظرًا لتوقع خبراء صناعة الأغذية أن تؤثر تقنية النانو تأثيرًا كبيرًا في مجال المنتجات الغذائية ونمط استهلاكها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فقد أخذت العديد من الشركات العالمية بالاستثمار في هذا المجال.
وقد أنشأت شركة عالمية متخصصة في الأغذية أقسامًا للبحوث العلمية لاختراع مشروبات لا لون لها ولا طعم، ولكنها تحتوي على جزيئات النانو التي عندما توضع في الميكروويف على تردد معين تعطي طعم عصير الليمون، وعلى تردد آخر تتحول هي نفسها إلى عصير تفاح، وهكذا... أي أنها تتغير وفقًا للحاجة وبحسب التردد الذي تتعرض له، وذلك لأن بها الآلاف من كبسولات النانو التي تحتوي على محفزات للنكهة واللون موجودة في المشروبات تتحرر بحسب رغبة المستهلك. وتعمل بعض من شركات الأغذية على تصميم نوعية من الأغذية التي تتغير طبقًا للذوق الشخصي للأفراد، فيتغير الطعم أو اللون بل والمكونات الغذائية في الطعام حسب الطلب.
ومن المتوقع أيضًا: الاستفادة مستقبلًا من خلال استخدام تقنية النانو في الصناعات الغذائية في التقليل من النفايات الناجمة عن المصانع الغذائية، وبالتالي التقليل من آثارها وأضرارها على الصحة العامة وعلى صحة الإنسان وعلى البيئة.
الخوف من مخاطر تكنولوجيا النانو:
بالرغم من التطور السريع لتطبيقات النانو في المجالات العديدة وما أوجدته هذه التطبيقات من التفاؤل بأنها ستوفر للبشر الكثير من المواد المفيدة لهم في كل جوانب الحياة إلا أنه لا بد من التريث في استخدامات تقنية النانو، ولا بد من إجراء دراسات دقيقة متأنية للتأثيرات المحتملة المؤثرة على صحة الإنسان والبيئة التي يمكن أن تكون مصاحبة لتطبيقات تقنية النانو.
إن تقنية النانو تقنية حديثة نسبيًا، ومثلها مثل أي تقنية أخرى تحتمل أن يكون لها جوانب سلبية لم تعرف بعد كما أن لها جوانب إيجابية، ونحن نواجه حتى الآن نقصًا كبيرًا في المعلومات عن مخاطر استخدام تقنية النانو والآثار المترتبة على تطبيقاتها مما يدعونا إلى توخي الحذر. إن الدراسات القليلة التي أجريت حول مخاطر تقنية النانو تشير إلى وجود أدلة على أنها يمكن أن تجلب مخاطر على الصحة والبيئة، بل إنها قد تتسبب في مشاكل الظلم الاجتماعي والاقتصادي من خلال التوزيع غير العادل وزيادة الفوارق بين عالم الأغنياء وعالم الفقراء، فتطبيقات تقنية النانو ستتمتع بها الدول الغنية قبل الفقراء، فتزداد بها غنى وقوة، على حساب الدول الفقيرة والضعيفة، بل ربما أشاعت الفوضى في العلاقات الدولية حال ظهور وانتشار أسلحة نانوية قد تكون أكثر فتكًا من الأسلحة الموجودة حاليًا.
ويمكن تقسيم مخاطر تطبيقات تقنية النانو إجمالًا إلى أربعة أقسام رئيسية من المخاطر:
أولًا: المخاطر على صحة الإنسان:
المخاطر الصحية المحتملة لتقنية النانو على الإنسان ترجع إلى صغر حجم المواد النانوية، حيث إن صغر هذه المواد يجعلها قادرة على النفاذ إلى جسم الإنسان بسهولة باستنشاقها أو الدخول من خلال مسام الجلد، حيث تستطيع الانتشار داخل الجسم دون شعور الإنسان أو مقاومته، فجسيم حجمه 300 نانو يمكنه دخول جسم الإنسان بسهولة، وقد وجد أن جس?مًا حجمه 70 نانومتر يمكنه الوصول إلى النواة داخل الخلية مع احتمالية حدوث تفاعل بين هذا الجسيم وخلايا الجسم، مما يحمل معه الخطر المحدق على صحة الإنسان، وإن كانت تلك المخاطر ما زالت حتى الآن مجهولة إلى حد كبير.
