شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مناقشة شبهات التكفيريين (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

ولو افترضنا جدلاً أن المسألة كانت كفرًا أكبر، فلا يلزم منه تكفير الـمُعَيَّن، بل لا بد مِن التفرقة بين النوع والعين؛ يعني أنه قد يقع المسلم في كفر قولي أو عملي، ولكن يمنع مِن وَصْفِه وإسقاط حُكْم الكفر عليه مانع كمانع الجهل، والتأويل -وهو مِن أوسع الموانع في وقتنا-، والإكراه، والخطأ، والنسيان، وموانع التكفير تمنع إطلاق وصف الكفر على شخص بعينه، حتى وإن ثبت أنه وقع في الكفر الأكبر؛ فضلاً أن لم يكن يقع في وصف الكفر الأكبر.

الشبهة الثانية: التكفير بالموالاة:

ومِن الشبهات الخطيرة التي تستعملها هذه الجماعات: قضية "الموالاة"؛ فمِن صور غلوهم في ذلك الباب -قضية الموالاة- تكفيرهم للشعوب بزعم أنها راضية بالحكم بغير ما أنزل الله، وقد ذكرنا أن الشعوب -بحمد الله تبارك وتعالى- منذ البداية غير راضية إلا بشرع الله -عز وجل-، وهذا أمر ظاهر، حتى صار مِن مسلـَّمات العمل السياسي في مصر أن جميع الساسة -إلا ما ندر- لا بد أن يعلنوا قبولهم للشريعة.

ومِن ذلك: زعمهم موالاة النظم العربية والجيوش العربية لأعداء الإسلام والمسلمين، فيزعمون ولاءهم لليهود ونحو ذلك مِن الألفاظ المستعملة؛ وهم في ذلك يعتمدون على الظنون والشائعات والأخبار التي تُقَال في المجالس وعلى المقاهي، وهي أمور لا تثبت بها أدنى تهمة "فضلاً عن التكفير" فلا يمكن أن يُكَفَّر إنسان بمجرد الظن والتخمين، ويجب أن يُعلَم أن تصريحات الأعداء ليست بدليل معتبر شرعًا ولا واقعًا.

وقد رأينا كيف أبرزت بعض القنوات الإخبارية تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن إسرائيل ومصر في خندق واحد في محاربة الإرهاب، ثم وقع بعدها الهجوم الخسيس على الجيش المصري وقتْل أبنائه الذين هم أبناء هذا الشعب -ابني وابنك وأخي وأخوك-، وهم في الحقيقة ما ذهبوا إلى سيناء إلا للدفاع عن هذه البلاد، وأن تقع تحت سيطرة الأعداء، وأنهم يدافعون في الحقيقة مِن أجل أن تبقى هذه البلاد مسلمة، وهم يريدون ذلك، وصيحات الجنود في العاشر مِن رمضان: "الله أكبر" تؤكد لك أنهم يريدون نصرة الدين، ويريدون أن تظل مصر عزيزة كريمة بإسلامها، وليست بعيدة عن إسلامها.

لذلك نقول: قضية الموالاة لا يتم الحكم فيها بمجرد أخبار لا يُعْرف ناقلوها، وإنما هي أكاذيب يقولها البعض ويرددونها مِن أن هناك تحالفًا ضد الإسلام بين النظام المصري أو غيره مِن النظم وبين اليهود.

ومِن غلوهم في هذا الباب أنهم قد يُكفِّرون الحكام والأفراد بصور مِن الموالاة المحرمة، ولكنها لا ترقي إلى الكفر، ومِن ثَمَّ فلابد مِن التفرقة بين قضية الولاء المُكَفِّر والولاء المُحَرَّم، ومعرفة الفرق بين الكفر والمعصية: ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ) (النساء:48) ، لا بد أن تُدْرَس هذه المسائل؛ فليست كل أنواع الموالاة لو ثبتت مكفرة.

ومِن وسائل الجماعات المنحرفة في خداع الشباب الصغير "لا سيما مَن لم يتعلموا العلم": أنهم ينقلون لهم عبارات مجْملة لبعض أهل العلم مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمهما الله- دون معرفة التفاصيل التي يبينها هؤلاء العلماء، والضوابط، والشروط والموانع -كما ذكرنا-، وإنما تُطلق كلمات ثم يحكم بعد ذلك على الناس بالكفر، لكن لو درس هؤلاء العلم لعلموا الفرق الهائل بيْن الموالاة المكفـِّرة والموالاة المحرمة.

ولا يقتصر الأمر عند هؤلاء على الخلط بيْن الموالاة المكفرة والموالاة المحرمة، بل ربما أدخلوا في الموالاة صورًا مِن صور التعامل الجائز مع الكفار، فلابد مِن بيان "ما يجوز مِن المعاملة مع الكفار"، وقد عقد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلح الحديبية مع المشركين، وتضمن أن يَرُد الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- مَن أتاه مسلمًا إلى المشركين؛ يعني: يُسَلِّم مَن أتاه مسلمًا مضطهدًا معذبًا يُفْتن في دينه في بلاد الكفر، ومع هذا قَبِل أن يُسَلِّم -صلى الله عليه وسلم- هؤلاء إذا أَتَوا مِن أجل أنها في النهاية تكون في مصلحة الدولة الإسلامية وقوتها التي هي في النهاية في مصلحة هؤلاء المستضعفين، وبالفعل قد كان سببًا لنجاتهم وهجرتهم -بفضل الله سبحانه وتعالى- إلى المدينة.

ومِن نماذج الخلل في فهم ما يجوز وما لا يجوز مِن المعاملة، ما يتعلق بمعاهدة السلام أو "كامب ديفيد" بيْن مصر وإسرائيل؛ لأن هناك مَن يجعل هذه المعاهدة سببًا لمقاتلة الجيش المصري باعتباره مواليًا لليهود، وهذا الكلام باطل لا شك فيه؛ فهذه المعاهدة وإن تضمَّنت جورًا ومخالفة في بعض بنودها لِمَا لا يجوز، لكن باتفاق العقلاء -لا أقول فقط العلماء أو المسلمين والوطنيين-، بل الكل يتفق على أن مصلحة بلادنا اليوم في الالتزام ببنود هذه المعاهدة؛ لأننا لن نستطيع في ظروفنا الحالية تغيير بنودها بهذه الطريقة.

ومما يؤكد هذا: أن الإسلاميين قد نجحوا في أن يسيطروا على نحو ثلاث أرباع البرلمان بعد الثورة -أول برلمان بعد الثورة- وتولى أحد المنتسبين إلى إحدى الجماعات المنسوبة إلى العمل الإسلامي رئاسة الجمهورية، وبقي هذا الأمر أكثر مِن سنة؛ فلماذا لم يُقَدِّم النواب في البرلمان ولا بادر الرئيس في وقته إلى إلغاء المعاهدة؟! لأن الكل يعلم أننا لن نستطيع أن نُلْغي ولا أن نُغَيِّر بنودها، وأن مصلحتنا في الالتزام بهذا، والعلماء كلهم أقروا ذلك، وهناك فتاوى مِن العلماء الكبار سواء في مصر أو في غيرها بأن الالتزام بهذه المعاهدة هي مِن مصلحة المسلمين.

وبعض هذه الجماعات تطبـِّق هذه المفاهيم بطريقة "انتقائية!"، فمن المعلوم أنه توجد هدنة تلتزم بها حماس التابعة لجماعة الإخوان مع اليهود، وكثير مِن هذه الجماعات تقرها على ذلك، بينما يكفر بعضهم الجيش المصري مِن أجل ما ظنوه موالاة لليهود، بينما يَسلم منهم اليهود بزعم أن الجيش المصري مرتد، وأن جيش إسرائيل كفار أصليون، وأن قتال المرتدين مقدَّم على الكفار الأصليين، وهذا أعجب مِن العجب أن يتجرءوا على التكفير وعلى الحكم بالردة دون ضوابط شرعية، وهم ليسوا أَهْلاً بالحكم -كما ذكرتُ-، وهذا جهل يؤدي إلى السقوط في هذه البدع.

الشبهة الثالثة: "المظالم":

الصفحة السابقة الصفحة التالية