شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (2) اسم الله (الرب) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- التعرُّف على الله أجلُّ أبواب العلوم، والتعبُّد لله بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التعبُّد ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) ، وقال -تعالى-: ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) (الإسراء: 110) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (متفق عليه) .

- مدخل وعظي لإثارة النفوس للتعرُّف على اسم الله -تعالى- "الرب" (أسرع الناس إجابة هو أعرف الناس بربِّه): ففي حديث فتنة القبر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

الوقفة الأولى: تعريف بمعنى اسم الله "الرب":

- اسم الله "الرب" أكثر أسماء الله -تعالى- ورودًا في القرآن والسنة، وقد ورد مفردًا ومضافًا في سياقات متنوِّعة، تزيد على خمسمائة مرة؛ قال -تعالى- في افتتاح كتابه: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الفاتحة: 2) ، وقال في خاتمته: ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) (الناس: 1) .

- معنى الرب: قال ابن الأثير -رحمه الله-: "يُطلَق الرب في اللغة على: المالك المتصرِّف، والسيد، والمدبِّر، والمربِّي، والمصلح، والقيِّم. ولا يُطلَق غير مضاف لشيء إلا على الله -تعالى-؛ أما إذا وُصِف به غير الله -تعالى- فلا بد من أن يُضاف؛ فيُقال: رب الدار، ورب الدابة؛ أي: مالكها المتصرِّف فيها" (النهاية لابن الأثير) (1) .

- اسم الرب -تعالى- مشتمل على كل هذه الصفات وغيرها (الخلق، والملك، والتدبير، والإحياء والإماتة، والمنع والإعطاء) على إطلاقها وكمالها؛ ولذا كان الأنبياء يحتجُّون بالربوبية: قال -تعالى-: ( قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ . قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ . قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ . قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ . قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ . قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) (الشعراء: 23-28) .

وقال -تعالى- من قول إبراهيم -عليه السلام- احتجاجًا على المشركين: ( قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) (الشعراء: 75-82) (2) .

- مشهد آخر في احتجاج الأنبياء -عليهم السلام- بالربوبية في بيان عجز الباطل وتعريته: قال -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (البقرة: 258) .

وقال غلام الأخدود للملك: ( إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلِبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي؛ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي ) (رواه مسلم) .

الوقفة الثانية: مقتضى الإيمان باسم الله "الرب":

أولًا: إفراد الله -تعالى- بما تضمَّنه اسم "الرب":

- أرباب الدنيا مهما أعطوا، ومهما ملكوا من الدنيا، فإنه ناقص، وهم مقهورون بالعوارض (المرض والنوم والغفلة والضعف والقهر من الغير، وغير ذلك) ثم الموت: قال -تعالى-: ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (آل عمران: 26) .

- أين الذين نازعوا الله في ربوبيته (فرعون - النمرود - ملك الأخدود - وغيرهم في كل زمان): قال -تعالى- عن فرعون: ( فَحَشَرَ فَنَادَى . فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى . فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ) (النازعات: 23-26) ، وقال عن النمرود: ( فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (البقرة: 258) (3) . وقال عن ملك الأخدود: ( قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ) (البروج: 4) . وفي الحديث القدسي: ( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

ثانيًا: شهود آثار اسم "الرب" في خلقه:

الصفحة التالية