الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (2) اسم الله (الرب) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- معاني الربوبية في اسم الله -تعالى- "الرب" تأخذ المؤمن إلى التفكُّر وشهود ذلك في الخلق: ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (البقرة: 164) ، وقال -تعالى-: ( وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ . وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) (الذاريات: 20-21) .
- تفكَّر في صنع الله فيك: (لا يُشبهك مطابقة أحد في الكون: بصمة إبهامك - بصمة صوتك - بصمة عينيك - رائحة جلدك)، (في جسدك آيات: قلبك ينبض مائة ألف مرة في اليوم منذ ولادتك - حرارة عينيك 90 درجة - لسانك به 17 عضلة وألف حلمة تذوُّق - وغير ذلك كثير).
ثالثًا: التعبُّد لله -تعالى- باسم "الرب":
- إذا علمت أن الله هو الرب (الخالق - المالك - المدبِّر - المحيي - المميت - المعطي - المانع...) وأنك عبد: فعليك بواجب العبودية من الاتِّصاف بالانكسار والافتقار والذلِّ بين يديه، ومقتضى ذلك الطاعة والخوف من عقابه؛ كان سيد البشر وخيرهم -صلى الله عليه وسلم- يقول في دعاء ثنائه ومسألته: ( اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
- تعبَّد لله باسمه الرب في كل أحوالك، في العسر واليسر، في الفقر والغنى، في الصحة والمرض: قال يوسف -عليه السلام- عند شِدَّته: ( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) (يوسف: 33) ، وقال في عزِّه ودولته: ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) (يوسف: 101) .
- وقال -تعالى- في تعبُّد أيوب عند شدَّته: ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) (الأنبياء: 83-84) .
- وقال -تعالى- عن تعبُّد الخليل -عليه السلام-: ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ) (إبراهيم: 35) .
- وقال عن تضرُّع المؤمنين عند البأس: ( رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (البقرة: 250-251) .
- وقال عن تعبُّد زكريا -عليه السلام- عند سؤاله الولد: ( رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ) (مريم: 4) ، ( رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ) (آل عمران: 38) .
- ولما اشتد أذى الكفار بنبينا -صلى الله عليه وسلم- دعا: "اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي. إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي.. أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَنْ يَحِلَّ عَلَيَّ غَضَبُكَ أَوْ أَنْ يَنْزِلَ بِي سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ" (رواه الطبراني، وابن عساكر في تاريخ دمشق باختلاف يسير) .
خاتمة:
- المؤمن حياته كلها مرتبطة بربِّه؛ لأنه يعلم أن الأمور كلها بيده سبحانه: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام: 162) ، ( مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (هود: 56) .
- فمَن علم أن مقادير الخلق (أرزاقهم - أرواحهم - سعادتهم - شقاوتهم - عافيتهم...) بيده -"الرب" سبحانه-، لن يعلِّق قلبه إلا به -تعالى- (لا ملك، ولا طبيب، ولا ولد، ولا والد - ...): ( يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) (الشعراء: 88-89) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ) (رواه مسلم) .
- أكثر من التعبُّد باسمه "الرب" ليسهل عليك الجواب في القبر: "فيقول: ربِّي الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام..." (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
فاللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، ثبِّتنا على دينك في الحياة وعند الممات، واجعلنا من أصحاب الجنات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ومنه قول نبي الله يوسف -عليه السلام-: ( ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ ) (يوسف: 50) ، وقول عبد المطلب لأبرهة الحبشي: "أنا ربُّ هذه الإبل، أما البيت فله ربٌّ يحميه".
