الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني.. راوٍ ماجنٌ وليس بمؤرخ مدقق (1-3)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
- قول صاحب الأغاني: (وممن حكي عنه أنه صنع في شعره وشعر غيره المنتصر، فإني ما ذكرت ما روي عنه أنه غني فيه على سوء العهدة في ذلك وضعف الصنعة؛ لئلا يشذ عن الكتاب شيء قد روي وتداوله الناس" (راجع المصدر السابق، ص 248 نقلًا عن الأغاني)؛ فهو ينقل في كتابه الجامع هذا شعرًا يعلم تمام العلم أنه مصنوع لأنه يريد أن يملأ كتابه بكل ما تداوله الناس حتى المكذوب منه المصنوع.
- قول صاحب الأغاني: "وممن هذه سبيله في صنعة الغناء المعتز بالله، فإني لم أجد له شيئًا إلا ما ذكره الصولي في أخباره، فأتيت بما حكاه للعلة التي قدمتها من أني كرهت أن يخل الكتاب بشيء قد دونه الناس وتعارفوه" (المصدر السابق، ص 248، نقلًا عن الأغاني) .
- قول صاحب الأغاني: "هذه الأخبار التي ذكرتها عن ابن الكلبي موضوعة كلها، والتوليد بين فيها وفي أشعاره، وما رأيت شيئًا منها في ديوان دريد بن الصمة على سائر الروايات، وأعجب من ذلك هذا الخبر الأخير فإنه ذكر فيه ما لحق دريد من الهجنة والفضيحة في أصحابه وقتل من قتل معه وانصرافه منفردًا. وشعر دريد هذا يفخر فيه بأنه ظفر ببني الحارث وقتل أماثلهم. وهذا من أكاذيب ابن الكلبي. وإنما ذكرته على ما فيه لئلا يسقط من الكتاب شيء قد رواه الناس وتداولوه" (المصدر السابق، ص 249، نقلًا عن الأغاني) .
قال د. محمد أحمد خلف الله: "أبو الفرج إذًا يجمع كل ما قيل، يجمع الصادق وغير الصادق؛ لأنه لا يريد أن يخلو كتابه من شيء يعرفه الناس، ولو كان هذا الذي يعرفونه من المصنوعات والأكاذيب. وتلك كما قلنا ظاهرة من الظواهر التي تلازم الرواة ولا تلازم المؤرخين" (المصدر السابق، ص 249) .
ويضيف: "نعم، نحن نعلم أن أبا الفرج كان أحيانًا يعقب على غير الصادق، ولكن ذلك لا يخرجه من عداد الرواة، ولن يدفع به إلى عداد المؤرخين؛ وذلك لأن أبا الفرج لم يكن ليعقب على كل خبر، كما أنه لم يقم اختياره للأخبار على أساس الصدق والصحة، بل نستطيع أن نقول: إنه كان يقيم أساس الاختيار في كثير من الحالات على ما فيه متعة، من كل ما هو من نسج الخيال أو من كل ما هو من الأكاذيب عند المؤرخين" (المصدر السابق، ص 249-250) .
قول أبي الفرج الأصفهاني بعد روايته لأحد الأخبار: "وأحسب أن هذا الخبر مصنوع، ولكن هكذا أخبرنا به ابن أبي الأزهر) (المصدر السابق، ص 251، نقلًا عن الأغاني) .
- قوله أيضًا: "إنما ذكرت الخبر الذي رواه الزيادي على ما فيه من التخليط؛ لأني إذا أتيت بالقصة ذكرت ما يروى في معناها" (المصدر السابق، ص 251، نقلًا عن الأغاني) .
قال د. خلف الله: "مذهب أبي الفرج إذًا أن يروي القصة كما وصلت إليه، والخبر كما وقع إليه، ليس يعنيه صدق أو كذب بقدر ما تعنيه هذه الرواية. ومن هنا كنا نراه في بعض الأحيان يذكر القصة المصنوعة من طرق عديدة وبأسانيد مختلفة، يذكرها مع هذه الطرق وهذه الأسانيد مع اعتقاده بأنها من المصنوعات" (المصدر السابق، ص 251) .
وأضاف: "كما نراه في مواقف أخرى يرجح رواية على رواية لا لأنها أصح، بل لأن اللفظ أتم".
ومن ذلك قول أبي الفرج: "ونسخت من كتاب ابن النطاح عن الهيثم بن عدي، وقد أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي في كتاب الجوابات، قال: حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني إلا أن رواية ابن النطاح أتم واللفظ له، قال...." (المصدر السابق، ص 252 بتصرفٍ) .
- مخالفة روح أبي الفرج لروح المؤرخين المعتادة؛ إذ يحرص المؤرخون على ألا يذكروا في كتبهم إلا ما يطمئنون إليه ويعتقدون أنه الحق والصواب؛ قال د. خلف الله: "وروح أبي الفرج فيما نرى هي روح الرواة الذين يروون الخبر وهم يتبرؤون من العهدة، ويروون الأخبار وهم لا يقصدون إلى أقواها إسنادًا، وإنما إلى أتمها، ويروونها وهم يعلمون أنها في حاجة إلى التعديل بالزيادة أو بغيرها، ويروونها وقد حضوا غيرهم على ألوان من التعقيب والتصحيح، ومن الإضافة أو الزيادة إن وقع الكتاب في أيديهم ووقفوا على ما يحتاج إليه من قصة طريفة أو خبر جديد" (المصدر السابق، ص 254) .
ويدل على هذا التصور عند أبي الفرج أمثلة؛ منها:
قال أبو الفرج في كتابه الأغاني: "وأنا أذكر ما وقع إليَّ من أخباره جملًا مستحسنة متبرئًا من العهدة فيها، فإن أكثر أشعاره المذكورة في أخباره ينسبها بعض الرواة إلى غيره، وينسبها من حكيت عنه إليه، وإذا قدمت هذه الشريطة برئت من عيب طاعن ومتتبع للعيوب" (ينظر: المصدر السابق، ص 254، نقلًا عن الأغاني) .
وقال أيضًا في كتابه: "ونسخت من كتاب أحمد بن سعيد الدمشقي خبر الأحوص مع سلامة التي ذكرها في هذا الشعر، وهو موضوع لا أشك فيه؛ لأن شعره المنسوب إلى الأحوص شعر ساقط سخيف لا يشبه نمط الأحوص، والتوليد فيه بيِّن يشهد أنه محدث، والقصة أيضًا باطلة لا أصل لها، ولكني ذكرته على ما فيه من سوء العهدة" (المصدر السابق، ص 254-255، نقلًا عن الأغاني) .
وقال في موضع آخر: "وقد كنا وجدنا هذا الشعر في رواية علي بن يحيى عن إسحاق منسوبًا إلى المرقش، وطلبناه في أشعار المرقشين جميعًا فلم نجده، وكنا نظنه من شاذ الروايات، حتى وقع إلينا في شعر داوود بن سلم، وفي خبر أنا ذاكره في أخبار داوود. وإنما نذكر ما وقع إلينا عن رواته، فما وقع من غلط فوجدناه ووقفنا على صحته أثبتناه وأبطلنا ما فرط منا غيره، وما لم يجر هذا المجرى فلا ينبغي لقارئ هذا الكتاب أن يلزمنا لوم خطأ لم نتعمده ولا اخترعناه، وإنما حكيناه عن رواته واجتهدنا في الإصابة، وإن عرف صوابًا مخالفًا لما ذكرناه وأصلحه فإن ذلك لا يضره ولا يخلو به من فضل وذكر جميل -إن شاء الله-" (المصدر السابق، ص 255، نقلًا عن الأغاني) .
فأبو الفرج هو مجرد راوية يحمل كل ما يصل إليه، ويذكر كل المرويات كما وصلته ولو لم تكن من الحقائق ولو كانت باطلة ولا أصل لها؛ لأنه يُراد بها الإمتاع والمؤانسة، وتلك هي روح الراوية، وليست روح المؤرخ الذي يكتب التاريخ ولا يذكر إلا ما يعتقد أنه الحق.
احتفاء المستشرقين البالغ بكتاب الأغاني:
