الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني.. راوٍ ماجنٌ وليس بمؤرخ مدقق (1-3)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
كتاب الأغاني كتبه أبو الفرج الأصفهاني في بضع وعشرين مجلدًا ليسامر به المترفين والأغنياء والسمار من الماجنين الفارغين في أسمار الليالي، ليس هو بكتاب علم ولا كتاب تاريخ. وأبو الفرج الأصفهاني كان من الأدباء الماجنين، وكان أيضًا من الشعوبيين الكارهين للعرب؛ بالإضافة إلى أنه كان شيعيًّا. وكان من عادة أبي الفرج أنه يذهب إلى سوق الوراقين، وهي عدة من الدكاكين مملوءة بالكتب، فيشتري الكثير من هذه الكتب ويحملها إلى بيته، ثم تكون منها رواياته وحكاياته وأخباره، ومن كان هذا حاله فلا وزن لرواياته وحكاياته، لا يُؤخذ منها علم ولا تاريخ، ولا يُعتد بها في إثبات حكم أو إبداء رأي في حق من ذكرهم في كتابه من شخصيات أو مواقف وأحداث، و( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ) (رواه مسلم) .
لقد وضع أبو الفرج كتابه لإمتاع النفوس صاحبة المجون، جمع فيه الكثير والكثير من أخبار الخلاعة والمجون والأشعار الساقطة خاصة المغناة منها؛ لذا قال عنه زكي مبارك: "والخطر كل الخطر أن يطمئن الباحثون إلى أن لروايات الأغاني قيمة تاريخية، وأن يبنوا على أساسها ما يثيرون من حقائق التاريخ" (راجع في ذلك كتاب: مؤلفات في الميزان، للأستاذ أنور الجندي، ص 102) . لكن عمد المستشرقون رغم كل ذلك إلى الاعتماد على كتاب الأغاني هذا وجعلوه مرجعًا تاريخيًّا مهمًّا لهم يعتمدون -ومن تابعهم من تلاميذهم- عليه في أبحاثهم بغرض تشويه تاريخ المسلمين في أزهى عصوره، إبان الدولة الأموية ثم الدولة العباسية؛ لذا اعتمد على كتاب الأغاني للأصفهاني كمرجع تاريخي المستشرق (لامنس) في كتابه: (تاريخ بني أمية)، وكذلك اعتمد عليه كمرجع تاريخي المستشرق (فلهوزن) في كتابه (الدولة العربية وسقوطها) (راجع: مؤلفات في الميزان، ص 100-103) .
- هنري لامنس: مستشرق ومؤرخ، ولد في جنت ببلجيكا عام 1862، وتوفي في بيروت عام 1937. تلقى تعليمًا دينيًّا، وانضم في سن الخامسة عشرة لجماعة اليسوعيين في بيروت، وعاش معظم حياته في الشام، حيث استقر في لبنان وعده وطنه الثاني. درس العربية واللاتينية واليونانية. وكتب بالفرنسية عن التاريخ المبكر للإسلام، وقام بعدة دراسات عن الدولة الأموية التي تخصص في دراستها. ويُعدُّ لامنس من أشد المستشرقين المتعصبين المتحاملين على الإسلام، مما عرضه لانتقادات واسعة والتشكيك في أمانته العلمية، واتهامه بافتقاد الحيادية وتزييف الحقائق والسعي لتشويه التاريخ الإسلامي. لذا فهو يُعدُّ نموذجًا سيئًا للمستشرقين الباحثين في الإسلام.
- يوليوس فلهوزن: مستشرق ومؤرخ وباحث ألماني، وأحد رواد مدرسة الاستشراق الألماني. عاش من عام 1844 إلى عام 1918، له دراسات متعمقة في التاريخ الإسلامي المبكر.
من أبرز أعماله: كتابه: (الدولة العربية وسقوطها)، تعرَّض فيه لتاريخ الدولة العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية.
وللحديثة بقية -إن شاء الله-.
