الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني.. راوٍ ماجنٌ وليس بمؤرخ مدقق (1-3)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
القيمة الأدبية لكتاب الأغاني:
يُعدُّ كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني من أشهر الكتب الأدبية؛ إذ حشد فيه كاتبه كلَّ ما وصلت إليه ووقعت عليه يداه من الأشعار والقصص والحكايات والأخبار المتداولة بين الناس عن الأمراء والشعراء والمغنيات والسُّمار؛ خاصة الماجنين منهم والماجنات، الذين جعلهم أبو الفرج المادة الأثيرة لأحاديثه ومروياته، يقدِّمها مادة دسمة ممتعة لمن يهفو ويتطلع إليها من أهل الترف والمجون والفجور من محبي هذا النوع من الشعر والغناء وقصصه وأخباره، في كتاب لم يُكتب مثله بهذا الحجم وهذه النوعية!
وقد طالت رواياته وأخباره وحكاياته الصحابةَ والخلفاءَ وكبارَ القوم والأغنياءَ، والشعراءَ والمغنين والمغنيات، وأربابَ الموسيقى والعزف، في جو ملؤه رائحة السكر والعربدة والمجون، وهو في هذا كله لا يتحرى ولا يعبأ بمدى صحة ما ينقل ويكتب؛ إذ همه المتعة والإمتاع لا كتابة التاريخ، أو فرز الحوادث والأخبار وتحري نقل الصحيح منها لا الضعيف عن الشخصيات التي تعرض لذكرها في كتابه الضخم على كثرتهم، فيا لها من غيبة غير محمودة! وتشويه لأناس وتشنيع عليهم، ومنهم شخصيات تاريخية معروفة ومشهورة، عُرف عنهم من مصادر أخرى عديدة موثقة خلاف ما أورده عنهم الأصفهاني في كتابه برواياته الضعيفة والمكذوبة؛ مما يجعل هذا الكتاب لا قيمة له من الناحية التاريخية، ولا ينبغي أن يُعدَّ بحال من الأحوال مصدرًا وسبيلاً لمعرفة سيرة الأشخاص الذين ذكرهم -خاصة الفضلاء منهم- والترجمة عنهم، وصحة وسلامة ما نقله عنهم من الأحداث والأخبار التي أوردها من سيرهم؛ خاصة وأنه لم يتعرض أحدٌ بعدُ -رغم شهرة الكتاب بين الشعراء والأدباء والأغنياء والمترفين جيلًا بعد جيل- بجدية لتنقية هذا الكتاب من أوله إلى آخره من تلك الأخبار والروايات الضعيفة والمكذوبة المدسوسة فيه، وما أكثرها، بل هي عماد مادة الكتاب وأساسه.
فالكلُّ تقريبًا يرى أنه مجرد كتاب للأدب والشعر والغناء ليس إلا؛ إنما يقرأه من يتطلع لقراءته من أجل المتعة والتلذذ واللهو والتسلية بقصصه وأشعاره وأخبار المغنيات الماجنين والفساق التي كانت متداولة بين الشعراء والأدباء، وأصحاب المغنى والترف في عصر صاحب الكتاب وقبله لا أكثر من ذلك، حتى وإن جعل الكاتب من بينهم من شخصيات سيرتها أبعد وأرفع عن ذلك بشهادة الثقات الأثبات من علماء الأمة المعتبرين ومؤرخيها، وهذا هو وجه خطورة هذا الكتاب العابر للقرون والأجيال، وأثره السيء في الأمة قديمًا وحديثًا، بما يوجب التحذير منه.
فكتاب الأغاني عند ابن خلدون -مثلًا- وغيره، هو كتاب أدبي؛ ولذلك فإن كاتبه مغرم بالرواية وبدون تدقيق؛ لذا لا يصلح كتابه أن يكون كتابًا للعلم أو للتاريخ أو للحكم على ما ورد فيه من شخصيات، فشتان ما بين الراوي والمؤرخ.
بين الراوي والمؤرخ:
الراوية: هو البعير الذي يُستقى عليه الماء، وكذا يقال للرجل المستقي أيضًا راوية. ورجل رواء إذا كان الاستسقاء بالراوية له صناعة، يقال جاء رواء القوم. وفي حديث غزوة بدر: "فَإِذَا هُمْ بِرَوَايَا قُرَيْشٍ" (رواه مسلم) ؛ أي: إبلهم التي كانوا يستقون عليها. ورويت الحديث والشعر فأنا راوٍ في الماء والشعر من قوم رواة. ورويته الشعر تروية: أي: حملته على روايته. وجاء في المعجم الوجيز: "روى القوم، وعليهم ولهم، ريًّا: استقى لهم الماء. وروى الحديث أو الشعر رواية: حمله ونقله. فهو راوٍ. والجمع رواة. وروى الزرع: سقاه".
الراوي يحتفظ بالمرويات كما أخذها عن شيخه من غير تغيير أو تبديل فيها وذلك بحفظها ووعيها، وقد يضم إلى ذلك تدوينها في كتاب. ويشترط في الراوية القدرة على الضبط لما يرويه لئلا يتطرق الخلل إلى مروياته، فالراوية إنما يهتم ما استطاع أولًا وقبل كل شيء بالصحة في النقل.
أما المؤرخ فهو الذي يطلب الحقيقة فيما يكتب، فيرى ألا يحمل إلا ما هو الحق أو ما يتوقع أنه الحق. فالراوي إنما يحرص على النقل، والمؤرخ إنما يحرص على صحة المنقول ورجحانه. فالرواة إنما يعتمدون في عملهم صدق النقل وصحة الإسناد. والراوي ناقلٌ للخبر دون نقد لمتنه صدقًا كان ذلك المنقول أو كذبًا، وقد يكون لا بأس عليه في ذلك، وإنما البأس على الراوي في الوضع أو في الرواية عمن لم يرو عنه، أو التحديث عمن لم يسمع منه، أو يأخذ عنه بمكاتبات أو إجازات.
والراوي ناقلٌ لرأي غيره ومصوِّرًا لوجهة نظر الآخرين، وربما يروي الآراء المختلفة أو المتعارضة أحيانًا بدون ترجيح، بل ربما يروي ما يقع تحت يده من الأخبار حتى وهو يرى أنها من الموضوعات والمصنوعات ومن الأكاذيب أو من الأوهام، بينما المؤرخ يحاول أن يصور لنا الحقيقة كما رآها أو كما يراها من وجهة نظره هو. وحتى يصل المؤرخ إلى الحقيقة التي يرتضيها فمن حقه أن يستغني عن إيراد كثير من الأخبار التي لا يرتضيها العلم، أو يعمد إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة لكونه لا يعتقد أنها كلها حق.
والراوي يقتصر دوره على النقل والرواية فلا يتعداه، بينما المؤرخ فمن حقه أن يعمد إلى البراهين النظرية والأدلة العقلية، فيقدم المقدمات، ويستنتج النتائج، ويستنبط ما يملأ به ما قد يكون أمامه من فراغ ليستكمل الصورة الحقيقية كما يراها وآمن بها ليقدمها من وجهة نظره كاملة غير منقوصة.
الأصفهاني راوٍ لا مؤرخ:
قال د. محمد خلف الله في كتابه: (صاحب الأغاني أبو الفرج الأصفهاني الراوية): "أبو الفرج واضح الدلالة في أنه كان يجري على مذهب الرواة، وأول ما يطالعنا من هذه الدلالات أن أبا الفرج كان يحرص حرصًا شديدًا على ألا يفوته أي شيء مما يعرفه الناس، فهو حريص على جمع كل ما قيل حتى ولو كان من المصنوعات والأكاذيب. وليس ذلك من مذاهب المؤرخين الذين يحرصون الحرص كله على الوقوف على الحقيقة، وذكر ما يعتقدون أنه الحق" (ينظر: صاحب الأغاني أبو الفرج الأصفهاني، د. محمد أحمد خلف الله - ط. مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة - ط. الثانية 1962، ص: 248) .
والدلائل على ذلك في كتاب الأغاني عديدة؛ منها:
