شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني راوٍ ماجن وليس بمؤرخ مُدقِّق (2-3) مَن يكون الأصفهاني؟

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

- شخصية (إسحاق الموصلي): قال د. خلف الله: "إن إسحاق هو الأستاذ الأول لأبي الفرج، وإنه الأستاذ الذي ظهرت آثاره واضحة في حياة أبي الفرج العلمية والفنية، لا من حيث ما أخذ أبو الفرج عنه من أخبار بأية طريقة من الطرق أو بأي إسناد من الأسانيد، ولا من حيث تلك الأخبار الكثيرة التي كانت تدور حول إسحاق من حيث هي مادة من مواد كتاب الأغاني، ففي هذين يستوي إسحاق وغيره، بل من حيث أنه الشخصية التي استهوت أبا الفرج فامتلأ إعجابًا بها حتى دفعته إلى اختيار لون مُعيَّن من العلوم والفنون، ولم تقف المسألة عند حد الاختيار وإنما تعدَّته إلى التأليف والتصنيف، وفي التأليف لم تقف المسألة عند حد المواد التي تُجمع فتُذكر، وإنما تعدَّته إلى التصميم، ونعتقد أن أمر أبي الفرج مع إسحاق لم يقف عند تحويل أجناس الغناء إلى مذهب إسحاق، وإنما كان يجري أبو الفرج على أسلوب إسحاق في العرض" (المصدر السابق، ص 72) .

ويذكر د. خلف الله أن طريقة إسحاق: "هي الماثلة أمامنا في كتاب الأغاني، وأنها الدستور الذي جرى عليه أبو الفرج في اختيار الأصوات والشعراء والمُغنِّين، وإن الذي دفع أبا الفرج إلى أن يذكر الأجناس على مذهب إسحاق هو الذي جعله يجري في التأليف وأسلوب العرض على مذهب إسحاق أيضًا، وليس ذلك فيما نرى إلا الإعجاب بتلك الشخصية التي تعاون في رسمها الواقع والخيال" (المصدر السابق، ص 73) .

- شخصية (أبي العباس عبد الله بن المعتز بالله): وقد أثر فيه بنفس الوسيلة التي أثر فيه بها إسحاق الموصلي وهي الكتب. وكان لقرب عهد عبد الله بن المعتز بعصر أبي الفرج وقوة علم عبد الله بصناعة الموسيقى والكلام على النغم وعِلَلها أثره في قوة عاطفة أبي الفرج تجاهه، فكان عنده الشخصية التالية لشخصية إسحاق الموصلي في شدة الإعجاب وتقليده ومحاكاته، خاصة وأن أبا الفرج قد ألَّف أيضًا في النغم وعِلَلها، لذا جعل أبو الفرج مرويَّات ابن المعتز وأقواله مصدرًا مهمًّا من مصادره، فينقل من كتبه أخبارًا ويروي أحكامه في الغناء والمُغنِّين.

- شخصية أبي تمام: فقد بدأ أبو الفرج بتقليد أبي تمام والجري على مذهبه في البديع أو في المجانَس، لكنه لم يَمضِ في تقليده إلى النهاية، وإنما انصرف عن تقليده بعد جولات لم تستمر.

- شخصية عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: فقد أُعجِب أبو الفرج بكتاب ابن طاهر الآداب الرفيعة الذي ألَّفه في النغم وعِلَل الأغاني، واستفاد منه حين كتب في هذه الأشياء.

قال د. خلف الله: "وليس من شك أن الاعتماد على الكتب لا يدع الشخص يحرص على صحبة الأحياء، ولعله يجعله يبحث عن مثله الأعلى في واحد من أصحاب هذه الكتب، وهو الذي رأيناه من أبي الفرج حين أوضحنا أن أساتذته الحقيقيين كانوا من الأموات، كانوا: إسحاق الموصلي وعبد الله بن المعتز. ولعل السر في هذا -لا سيما في بيئة تكثر فيها العناصر المختلفة المتنازعة كبغداد- أن الصور التي يرسمها الخيال للأموات تكون أكمل وأجمل وأكثر نفوذًا وأقوى إيحاء من تلك التي يرسمها الواقع" (المصدر السابق، ص 164) .

ومن الشخصيات الذين عاصرهم أبو الفرج وأخذ عنهم:

- شخصية جَحْظَة البرمكي: وهو أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، عُرف بتنوُّع ثقافته وألوان معارفه، فكان أديبًا شاعرًا وإخباريًّا كثير الرواية للأخبار ومن حُذَّاق المُغنِّين، كما كان يُعلِّم الجواري الموسيقى والغناء. وقد اعتنى أبو الفرج بتدوين أخبار جَحْظَة وجمع أشعاره وترجم له في كتاب خاص هو كتاب أخبار جَحْظَة البرمكي. وقد لقي أبو الفرج جَحْظَة وجلس منه مجلس الطالب من الشيخ فكانت بينهما صداقة قوية، كان فيها جَحْظَة قدوة أبي الفرج في حياة اللهو.

- شخصية محمد بن العباس اليزيدي: الذي كان أبو الفرج يُحسن الرأي فيه، وحمل عنه علمًا جمًّا.

- شخصية محمد بن الحسين الكندي: وهو من مشايخه الكوفيين ومن المؤدِّبين، كان أبو الفرج يُكنُّ له الاحترام والتقدير.

- شخصية أحمد بن عبيد الله بن عمَّار: وله كتاب يتفق في اسمه وموضوعه مع كتاب مقاتل الطالبيين لأبي الفرج، وليس من المستبعد أن يكون أبو الفرج قد صنَّف كتابه هذا تقليدًا لشيخه وجريًا على هَدْيه.

أصدقاء الأصفهاني ومخالطوه:

ومن خلالهم نتعرَّف على نفسية أبي الفرج وخُلُقه الشخصي ومزاجه الفني؛ فقد كان أبو الفرج يجتمع بهم عند الوزير المهلَّبي، فيقص عليهم أبو الفرج الأخبار والنوادر، ويحكي لهم القصص.

ومن أشهرهم:

- الحسن بن محمد المهلَّبي وزير معز الدولة البويهي: كان أبو الفرج مُنقطعًا إلى المهلَّبي كثير المدح له، وكان المهلَّبي من الأدباء الذين يقولون الشعر ويكتبون النثر، ومع وصوله إلى الوزارة وكونه من الأغنياء الموسرين أكثر من طلب اللذائذ، فكان يجمع العلماء والكُتَّاب والأدباء والندماء على موائده فيُكثر من الحديث وأكثره مُذاكَرة بالأدب، ويتَبسَّط في المزاح إلى أبعد غاية. "والأخبار التي يسردها المهلَّبي نفسه والأشعار التي يستعين بها أصحابها على قضاء حوائجهم تحمل هي الأخرى طابع تلك الشخصية المستهترة والشخصية الماجنة العابثة؛ شخصية المهلَّبي. ولقد كان من دأب الرجل أن يُكثر من الحديث على الطعام، وأن يُكثر المزح في الخلوات" (المصدر السابق، ص 91) .

- التنوخي: وهو أبو القاسم علي بن محمد بن داود بن فَهم، والذي كان من أعيان أهل العلم، وكان يعدُّه المهلَّبي وغيره ريحانة الندماء؛ إذ إنه كان صورة أخرى من المهلَّبي، فكان في جملة القضاة الذين ينادمون المهلَّبي ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على إطراح الحشمة والتَبسُّط في الخلاعة.

- الإيذجي: وهو من القضاة أيضًا الذين كانت تجمعهم مجالس المهلَّبي للسَّمر، والتي يُعجبها من القصص ما يُثير الانفعال ويرضي الغرائز والعواطف.

فهذه صورة المجتمع الصغير القريب الذي كان يعيش فيه أبو الفرج، ومنه توجه مزاجه نحو الفن اللاهي العابث.

ثقافة أبي الفرج الغنائية:

الصفحة السابقة الصفحة التالية