شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني راوٍ ماجن وليس بمؤرخ مُدقِّق (2-3) مَن يكون الأصفهاني؟

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

ثقافة أبي الفرج الغنائية قد استمدَّها من كتب كثيرة قرأها وألمَّ بها وذكرها في مواطن كثيرة من كتابه الأغاني، وكذلك قد استمدَّها من رحاب قصور الخلفاء والوزراء، وكذلك من دور الأغنياء والموسرين ومن دور الذين اتخذوا من تربية القِيان والغِلمان وتربية المُغنِّين والمُغنِّيات مهنة وصناعة.

وثقافة أبي الفرج الغنائية واضحة من اهتمامه بهذا اللون الفني وتأليفه فيه، و"له رسائل أخرى في النغم وعِلَلها، وفي مسائل الأصابع، وقد بسط هو -كما يقول- هذه المسائل بسطًا لا تحتاج بعده إلى مزيد من العناية" (المصدر السابق، ص 157، نقلًا عن كتاب الأغاني) .

حياة أبي الفرج المعيشية:

كان أبو الفرج يسكن في بغداد في دار يمتلكها تقع على نهر دجلة، في مكان متوسط بين درب سليمان ودرب دجلة. ودرب سليمان هو الدرب الذي يُنسب إلى سليمان بن أبي جعفر المنصور، وهو بالجانب الغربي من بغداد. وكان قصر سليمان يقع في هذا الدرب قُبالة رأس الجسر، ومن هنا سُمي الدرب باسمه. وكان لأبي الفرج غلام يقوم بخدمته. وكان في شيء من السعة واليُسر، وكان أصدقاؤه من العلماء والكُتَّاب يزورونه في داره.

قال د. خلف الله: "لم يكن أبو الفرج بالرجل المتزمت، وإنما كان من اللاهين العابثين؛ ذلك الأمر يدل عليه شعره، ويدل عليه نثره، ويفسره صحبته للقوم الماجنين. كان أبو الفرج يشرب الخمر ويحب الغلمان ويحيا حياة المستهترين، ويصف مجالسه تلك شعرًا مرة ونثرًا أخرى" (المصدر السابق، ص 183) .

مذهب أبي الفرج الديني:

كان أبو الفرج من الشيعة الزيدية، مع كونه أسرة أبيه مروانية أموية، فابن الأثير يذكر عنه -وهو يقص أحداث سنة ست وخمسين وثلاثمائة- ما يلي: "وفيها توفي أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد الأصبهاني الأموي، وهو من ولد محمد بن مروان بن الحكم الأموي، وكان شيعيًّا، وهذا من العجب" (المصدر السابق، ص 179- 180) . وقد ورث أبو الفرج هذا التشيع من أسرة أمه كما ذكرنا من قبل. وقد ألَّف أبو الفرج كتابه مقاتل الطالبيين عن نزعة شيعية، وقد روى عن الطالبيين أخبارًا في كتاب الأغاني، كما روى عن المتشيِّعين كثيرًا من الأخبار.

الجانب الأخلاقي عند أبي الفرج:

قال د. خلف الله عن أخلاقيات أبي الفرج: "قال ابن الجوزي في ترجمته لأبي الفرج: "وكان يتشيع، ومثله لا يُوثَق برواياته؛ فإنه يُصرِّح في كتبه بما يُوجِب الفسق، ويُهوِّن شُرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه" (المصدر السابق، ص 190) .

ويُعلِّق د. خلف الله قائلًا: "والتيارات الخُلُقية من حياة أبي الفرج تتفق وما أجمله صاحب المنتظَم (يعني ابن الجوزي). ومن هنا لا نختلف وإياه في شيء، لا سيما وقد عرفنا الكثير مما يتصل بهذه التيارات: من أن أبا الفرج لم يكن بالمتدين، ومن الأجواء التي كان يعيش فيها من جوِّ أستاذه وصديقه جَحْظَة، إلى جوِّ المهلَّبي ومن لفَّ لَفَّه من أمثال القاضي الإيذجي والقاضي التنوخي، أولئك الذين يحيون حياتين، ظاهر: فيه الطهر والعفاف، وباطن: فيه الفسق والفجور، كانت -على ما رأينا- أجواء فاجرة، وأنها تدفعنا إلى التسليم بأن أبا الفرج كان من الذين يتخلَّعون -من الخلاعة- ويتَهَتَّكون، من الذين يشربون الخمر" (المصدر السابق، ص 190 بتصرف يسير) .

وأضاف أيضًا: "وأبو الفرج في عُرف المؤرخين حديد، سريع الغضب، بذيء اللسان، يغضب لأتفه الأشياء، ويضيق من أيسر الأمور، ويُطلق لسانه فيمن يَستثير منه الغضب حتى ولو كان من أوفى الأوفياء وأخلص الأصدقاء" (المصدر السابق، ص 191) .

"إن الأهواء الشخصية لأبي الفرج يجب أن تُتَحسَّس عند قراءة مروياته كما تُتَحسَّس الأهواء الدينية والسياسية ويُبحث عنهما كما يُبحث عن أثر المادة والمال، فكلها عوامل مؤثرة وبينة الأثر واضحة المعالم، لا من حيث أبو الفرج فقط وإنما من حيث كل مؤرخ أو راوية" (المصدر السابق، ص 200) .

عداء أبي الفرج لخلفاء الدولة العباسية:

حمل أبو الفرج العداء للدولة العباسية، وإنما صدر منه هذا العداء: "عن عاملين مهمَّين: عصبية أموية، وتشيُّع علوي، وبعبارة أخرى أخصر وأدق إنما يصدر عن جوٍّ عائلي يُلقِّنه هذه العداوة ويَبثُّ في نفسه شيئًا غير قليل من الكراهية" (المصدر السابق، ص 186) ، فقد كان والد أبي الفرج من أسرة أموية في عداء مع العباسيين، وكانت والدة أبي الفرج من أسرة شيعية تكره العباسيين الذين يضطهدون الطالبيين.

قال د. خلف الله: "ومن هنا نشأ وفي نفسه العداوة والكراهية. ولم يستطع أبو الفرج إظهار هذا العداء في صراحة وقوة؛ لأن مركزه ومركز العائلة أضعف من أن يُمكِّنه من هذا الإظهار، ومن هنا احتفظ بسره وكتم عواطفه وحال بينها وبين الظهور إلا في الفَلَتات" (المصدر السابق، ص 186) .

المصادر التي استقى منها أبو الفرج كتابه:

نقل أبو الفرج ما كتبه في الأغاني عن مصدرين كبيرين؛ هما: الكتب والرجال. "وكثرة الكتب التي يَصدر عنها أبو الفرج وكثرة النصوص التي يأخذها من بعض هذه الكتب تُؤذِن لنا بأنه في هذا العصر قد بدأ الكتاب يَزحم الشيخ ويحاول أن يَحلَّ محله في الرواية أو في الأداء. ولقد فَطِن ابن النديم -وهو المعاصر لأبي الفرج- هذه الظاهرة من حياة أبي الفرج العلمية، وأشار عند ترجمته له إلى أن أكثر مروياته إنما أُخذت عن الكتب ولم تُؤخذ عن الرجال" (المصدر السابق، ص 261) .

إن الكتب "التي يعتمد عليها أبو الفرج ليست كلها من الأصول الجياد أو الكتب الأمهات. وإن هؤلاء الرجال الذين يُكثر من الأخذ عنهم، ليسوا جميعًا من الرواة الممتازين أو من الشيوخ الكبار" ( المصدر السابق، ص 262) .

وكان أبو الفرج الأصبهاني يدخل سوق الورَّاقين وهي عامرة والدكاكين مملوءة بالكتب فيشتري شيئًا من الصحف يَحملها إلى بيته، ثم تكون رواياته كلها منها "ولعله من هنا عاب بعضهم أبا الفرج بأنه ينسخ من الكتب ويأخذ عن الورَّاقين" (المصدر السابق، ص 293) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية