الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني راوٍ ماجن وليس بمؤرخ مُدقِّق (2-3) مَن يكون الأصفهاني؟
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
وُلد أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد الأصفهاني (أو الأصبهاني)، صاحب كتاب الأغاني في سنة 284 هجريًّا، وهذا مما هو متفق عليه، ولكن اختُلف في تحديد سنة وفاته. فذكر ابن النديم -صاحب كتاب الفهرست- أنه توفي في نيف وستين وثلاثمائة هجريًّا، بينما ذكر أبو نعيم في كتابه أخبار أصْبهان أنه توفي في سنة 357 هجريًّا، بينما ذكر ابن أبي الفوارس أنه توفي سنة 356 هجريًّا. ولعل هذا الاختلاف يرجع إلى أن أبا الفرج -كأديب- كان مغمورًا؛ إذ لم يكن كتابه قد اكتسب شهرته بعد، إذ جاءت شهرة الكتاب بعد وفاته؛ لذا طال النسيان سنة وفاته على وجه التحديد.
مولد الأصفهاني:
وُلد الأصفهاني ونشأ وتربَّى في بغداد عاصمة الخلافة العباسية. أما أن يكون قد وُلد في أصبهان، فهذا لم يثبت؛ إذ كانت أُسرة أبيه وأُسرة أمه قبل مولده تُقيمان في مدينة (سُرَّ من رأى)، ولم يُعرف عن والديه الانتقال إلى أصبهان. ومع ذلك فلقب الأصبهاني عُرف أبو الفرج الأصفهاني به، بل وعُرف به العديد من عائلته كعمِّه الحسن بن محمد الأصفهاني وابن عمه أحمد، وكذلك جده محمد بن أحمد الأصفهاني؛ بالإضافة إلى والد أبي الفرج الأصفهاني فهو الحسين الأصفهاني.
والغالب أن لقب الأصبهاني لقب موروث في الأسرة، أو أن أصول الأسرة من أصبهان، وقد قال الثعالبي في ترجمة أبي الفرج الأصبهاني في يتيمة الدهر: "الأصبهاني الأصل البغدادي المنشأ"، بما قد يدل على أن أصوله هم الذين يُنسبون إلى أصبهان، وهذا وارد أن يُعبَّر بأصل الرجل عن آبائه وأجداده لا يُراد به الشخص نفسه ونسبته.
قال د. محمد أحمد خلف الله: "لم يتحقق لدينا أن أبا الفرج قد ولد بأصبهان، وإنما الذي تحقق أن الأُسر التي كانت ينتسب إليها كانت تُقيم بـسُرَّ من رأى. وتحقق لدينا أن حركات انتقالها كانت بين سُرَّ من رأى وبغداد" (ينظر: صاحب الأغاني أبو الفرج الأصفهاني الراوية، د. محمد أحمد خلف الله - ط. مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة - ط. 1962: 28) .
ويُضيف قائلًا: "ولا نستطيع بعد كل ما تقدم أن نعدَّ أصبهان من الحدود المكانية لحياة أبي الفرج، لا من حيث إنه لم يثبت لنا أنه قد وُلد بها فحسب، بل لأنه لم يثبت لنا أيضًا أنه ذهب إليها حتى وهو كبير أو أخذ عن شيوخها وهو صغير، أو صوَّرها صورة فنيَّة وهو أديب" (المصدر السابق) .
وقد جاء في دائرة المعارف عن أبي الفرج الأصبهاني أنه كان يعيش عيشة الأديب الجوَّال. يقول د. خلف الله: "المواطن التي زارها أبو الفرج والتي استطعنا أن نُحقق أمر زيارته لها وإقامته فيها تحقيقًا تاريخيًّا لا يشوبه الشك هي: بغداد والكوفة وأنطاكية والبصرة وحصن مهدي. وأن المواطن التي نتوقع زيارته لها من حديثه أو من قرائن الأحوال هي: القادسية وسُرَّ من رأى. أما غير ذلك فلا نقطع فيه برأي" (المصدر السابق، ص 32) .
أثر النشأة:
يُنسب أبو الفرج من جهة أبيه إلى أُسرة أموية، من نسل مروان بن الحكم. وقد تعرض الأمويون عامة -بعد زوال الخلافة الأموية وظهور الخلافة العباسية- إلى صور من الاضطهاد لم تقف عند حد تأسيس الدولة العباسية، بل امتدت طوال حكم بني العباس. وهذا ما جعل الأمويين يبتعدون عن المشاركة السياسية خلال الحكم العباسي إلا في الخفاء، ولعل ذلك يُفسِّر: لماذا لم يكن أبو الفرج من رجال الدولة أو الندماء في قصور الخلفاء أو من المؤدِّبين لأبناء الخلفاء. ويوضح ذلك ما كان بين الأمويين والعلويين من الصلة وحُسن الجوار، وهو ما دفع أبا الفرج إلى مصادقة خصوم العباسيين من العلويين والطالبيين، ولعل كان لذلك الأثر في نفس أبي الفرج فكان منه تشيُّعه، وكان منه تأليفه في أول عهده لكتابه مقاتل الطالبيين.
ويُنسب أبو الفرج من جهة أمه إلى آل ثوابة، فجده لأمه هو يحيى بن ثوابة. وقد ذكر أبو الفرج ذلك وكرَّره في العديد من المواطن في كتابه. و"كان آل ثوابة من النصارى، وحين أسلموا أصبحوا من غلاة الشيعة ومن الروافض. وقد ترجم لهم صاحب أعيان الشيعة فيمن ترجم لهم من أعيان هذه الطائفة. وهذا الميل الموروث عمل على تقويته وتنميته تلك الظروف السياسية التي كانت تُحيط بأسرة الأب، وهي الظروف التي دفعتها إلى مصادقة الطالبيين" (المصدر السابق، ص 58) .
لقد كانت أُسرة الأُم وراء ميل أبي الفرج إلى التشيُّع وجريه على مذهب الزيدية، وهذا ما يُزيل ما أبداه بعض المؤرخين من التعجب من كون أبي الفرج مروانيًّا وشيعيًّا في نفس الوقت.
أساتذة وشيوخ أبي الفرج:
أساتذة وشيوخ أبي الفرج الذي تأثر بهم وروى عنهم، أو الذين جلس منهم مجلس الطالب كثيرون، وإن تفاوتت تأثيراتهم من القوة والضعف. ولقد كان من ضمن شيوخه مُحدِّثون والعديد من اللغويين ورواة الشعر والأخبار، ولكنه انصرف عن رواية الحديث إلى رواية الأخبار، كما أخذ أبو الفرج عن بعض رجال الأخبار واللغة عن طريق المكاتبات التي تدور بينهم.
واللغويون من شيوخ أبي الفرج ببغداد كثيرون، ذكر منهم العديد في كتابه الأغاني، وقد أخذ أبو الفرج عن كل هؤلاء بصرف النظر عن مذاهبهم اللغوية أو مذاهبهم الدينية أو صلتهم برجال الحكم والسياسة، إذ لم يكن همُّ أبي الفرج في كتابه الأغاني إلا الجمع والاستقصاء والتوسع في الرواية وعرض وجهات النظر المختلفة.
ومن الشخصيات التي سبقت عصر الأصفهاني، ولكنه تأثر بهم فنقل عنهم في كتابه الأغاني وسار على طريقتهم وضربهم:
