مسألة التكفير بين الإفراط والتفريط (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن مصطلحات الكفر والنفاق، والشرك، والفُسوق، مصطلحات استعملها الشرع الإسلامي كتابًا وسنةً، واتّبع أهلُ العلم الكتابَ والسُّنة على ذلك، وأجمعوا في مسائل واختلفوا في غيرها، وبيَّن الرسول -صلى الله عليه وسلم- انقسام كل هذه المصطلحات إلى كفر أكبر مخرج مِن الملة، وكفر أصغر لا يُخرِج مِن الملة، ولا يُنقض أصل الإيمان به، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ )، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: ( الرِّيَاءُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) . وقال في النساء: ( يَكْفُرْنَ ) قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: ( يَكْفُرْنَ العَشِيرَ ) (متفق عليه) .
وقال للصحابة -رضي الله عنهم- لما قالوا: "أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟!" عند نزول قول الله -تعالى-: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) (الأنعام:82) ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ( يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (لقمان:13) (متفق عليه) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ) (متفق عليه) .
ومعلوم أن هذه الذنوب لا تُخرج مِن الملة إجماعًا، إلا مَن كَذَب في قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، ونحو ذلك.
فعُلِم بذلك أن المقصود في الحديث هو النفاق الأصغر، وخَرج الخوارج عن إجماع أهل العلم مِن الصحابة فمَن بعدهم؛ فكفـَّروا بارتكاب الذنوب والكبائر، وأخرجوا صاحبها مِن الملة، وحكموا بخلوده في النار، معارضين لقول الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) (النساء:48) ، بل كانت بدايتهم في التكفير بما ظنوه هم شركًا وكفرًا ومعصية -ولم تكن معصية في الحقيقة- مِن علي ومعاوية -رضي الله عنهما-؛ لقبولهما التحكيم بمنع سفك دماء المسلمين!
وسار على طريق الخوارج جماعات التكفير اليوم، فكفّروا مَن خالفهم بالشبهة والظن! وإن لم يعلنوا التكفير بالذنوب، بل كفروا مَن رفض بيعة أميرهم، والدخول في دولتهم "المُدعاة!"، وهو أمر لم يسبقهم إليه أحد، ولا حتى مع الخلافة الراشدة، وكان سلوك هذه الجماعات في التنفير من الإسلام وتشويه صورة الجهاد "بل الشريعة كلها" مِن أعظم أسباب تأخر العمل الإسلامي في بلاد المسلمين والكفار على السواء؛ مما لم يقع مثله منذ بداية الصحوة الإسلامية!
وعلى الجانب الآخر وُجد فريق أخر يغالي في الامتناع عن وصف مَن وصفه الله ورسوله بالكفر أو النفاق! بل صارت هناك حملة عالمية لإلغاء هذه الأوصاف الشرعية، أو -على الأقل- تفريغها مِن مضمونها بالكلية؛ حتى وصل الأمر إلى رفض تكفير مَن عبد غير الله، وكذَّب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكذب القرآن، وهذا مخالف للمعلوم من الدين بالضرورة!
بل وُجد مَن يدافع عن الملحدين المنكرين لوجود الله -تعالى- أو عدم تعذيبهم في الآخرة بحجة أنهم غير معاندين، أو أن الإسلام وصلهم بطريقة مشوهة، وكأن طواغيت الأمم عبْر الزمان كانوا يوصلون الإسلام بطريقة صحيحة إلى أتباعهم ثم رفض هؤلاء الأتباع الحق، وكأن فرعون لم يقل لقومه: ( مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) (غافر:29) ، ولم يلتفت هؤلاء إلى قول الله -تعالى-: ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ) (الكهف:103-105) ، وقوله -تعالى-: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ) (السجدة:22) .
فكفرُ الإعراض عن الحجة وعدم سماعها وقبولها، ثابت في الكتاب والسُّنة، ومَن تأمل رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى كسرى، وهرقل قيصر الروم، وفيها: ( مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ ) (متفق عليه) .
فلماذا أَثِمَ الأريسيّون -أي فلاحو العجم-؟!
ولماذا كان على هرقل مثل إثمهم، وكذا على كسرى مثل إثمهم؟!
أليس لأجل أنهما أضلوهم السبيل؟
ولقد بيَّن الله مصير الأتباع على جهلهم لإعراضهم عن الحجة يوم القيامة، فقال -عز وجل-: ( إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا . خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا . يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا . وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا . رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ) (الأحزاب:64-68) .
فهل كان في زمن مِن الأزمنة طاغوت مِن الطواغيت يسمح بوصول الإسلام نقيًّا صحيحًا إلى قومه دون تشويه؟!
