شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مسألة التكفير بين الإفراط والتفريط (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

لم يقع ذلك قطعًا، بل لم تزل شياطين الإنس والجن ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) (الأنعام:112) ، أي: يغري بعضهم بعضًا، ليغروا عامتهم ويضللوا جهالهم، وقد عامل النبي -صلى الله عليه وسلم- كل مَن بلغه خبره فلم يبحث ولم يرفع رأسه بالتفكير فيما بُعث به مِن كلمتي الشهادة: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، معاملة الكفار في الدنيا والآخرة.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) (رواه مسلم) .

قال أبو محمد بن حزم -رحمه الله- بعد أن بيَّن عذر مَن أخطأ مِن المسلمين في أي مسألة مِن مسائل العقيدة والعمل إذا لم يبلغه عن الله وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم- حجة: "فَإِذا عذرتم للمجتهدين إِذا أخطأوا فأعذروا الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس، وَسَائِر الْملَل، فَإِنَّهُم أَيضًا مجتهدون قاصدون الْخَيْر! فجوابنا -وبَالله تَعَالَى التَّوْفِيق-: إننا لم نعذر مَن عذرنا بآرائنا، وَلَا كفرنا مَن كفرنا بظننا، وإن هذه خطة لم يؤتها الله -عز وَجل- أحدًا دونه، ولا ندخل الجنة والنار أحدًا، بل الله -تَعَالَى- يدخلهَا مَن شَاءَ، فَنحْن لَا نسمي بِالْإِيمَان إِلَّا من سَمَّاهُ الله -تَعَالَى- بِهِ، كل ذَلِك على لِسَان رَسُوله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم-.

وَلَا يخْتَلف اثْنَان من أهل الأَرْض -لَا نقُول مِن الْمُسلمين، بل مِن كل مِلَّة- فِي أَن رَسُول الله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- قطع بالْكفْر على أهل كل مِلَّة غير الْإِسْلَام الذي تَبرأ أَهله مِن كل مِلَّة حاشا الَّتِي أَتَاهُم بهَا عَلَيْهِ السَّلَام فَقَط، فوقفنا عِنْد ذَلِك.

وَلَا يخْتَلف أَيْضا اثْنَان فِي أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قطع باسم الْإِيمَان على كل مَن اتبعهُ وصدَّق بِكُل مَا جَاءَ بِهِ، وتبرأ من كل دين سوى ذلك؛ فوقفنا أيضًا عِنْد ذَلِك وَلَا مزِيد، فَمن جَاءَ نَص فِي إِخْرَاجه عَن الْإِسْلَام بعد حُصُول اسْم الْإِسْلَام لَهُ أخرجناه مِنْهُ سَوَاء أجمع على خُرُوجه مِنْهُ أَو لم يجمع، وَكَذَلِكَ من أجمع أهل الْإِسْلَام على خُرُوجه عَن الْإِسْلَام فَوَاجِب اتِّبَاع الْإِجْمَاع فِي ذَلِك، وَأما من لَا نَص فِي خُرُوجه عَن الإسلام بعد حُصُول الْإِسْلَام لَهُ، وَلَا إِجْمَاع فِي خُرُوجه أيضًا عَنهُ؛ فَلَا يجوز إِخْرَاجه عَمَّا قد صَحَّ يَقِينًا حُصُوله فِيهِ، وَقد نَص الله -تعالى- على مَا قُلْنَا فقال: ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران:85) ، وقال -تعالى-: ( وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً . أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ) (النساء:150-151) " إلى آخر كلامه، وهو كلام متين يلزم مراجعته؛ إذ إن البعض قد نقل عن ابن حزم -رحمه الله- خلاف كلامه قطعًا!

بل الحقيقة أن مَن بلغته التوراة والإنجيل الحاليين "على ما فيهما مِن تبديل وتحريف"؛ فقد قامت عليه الحجة في مسألة التوحيد؛ إذ أن نصوص التوحيد الباقية في الكتابين تقوم بها الحجة على كل مَن بلغته.

فأول الوصايا العشر في التوراة: "الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ، رَبَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ".

وفي الإنجيل أن المسيح سُئل: "أيها المعلم: أي الوصايا هي أول الكل؟"، فقال: "كما هو مكتوب: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ، رَبَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وأن تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِن كل عقلك، وقلبك، وفكرك". وأيضًا في الإنجيل عن المسيح -عليه السلام- أنه قال في مناجاته لربه: "إن الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ، وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ"، وغير ذلك كثير مِن إثبات الوحدانية لله، والرسالة للمسيح -عليه السلام-، وهي عقيدة أهل الإسلام.

فمن أصر على القول بالتثليث أو ألوهية المسيح -عليه السلام- مع ما وصله مِن نصوص؛ فقد قامت عليه الحجة، فضلًا عمن ينكِر النبوات والكتب بالكلية، فضلاً عن الملحدين المنكرين لوجود الله -عز وجل-!

والمسألة المشهورة المعروفة بالتفرقة بيْن فهم الحجة وقيام الحجة، متقررة عند أهل العلم، وأن المعتبر هو إقامة الحجة بوصولها إلى المكلـَّف بلسان مثله، والمقصود في ذلك في أصل الدين أمر الوحدانية "لا إله إلا الله"، وأمر الرسالة "محمد رسول الله"؛ فمن كذَّب بهما بعد بلوغهما تقليدًا أو اجتهادًا باطلاً؛ فهو غير معذور في الدنيا والآخرة.

والخطر في هذا الباب هو في التنفير مِن الدين بالحكم بإسلام أو نجاة الكفار الذين حكم الله بكفرهم وخلودهم في النار؛ فما الذي يدفعهم للبحث عن الحق إذا كانت النجاة حاصلة لهم مِن غير أن يبحثوا عن هذا الدين؟!

ثم أعظم مِن ذلك: المخالفة للنصوص الشرعية في بيان حال المكذبين الجهال، والمعاندين بعد وصول خبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- إليهم، قال الله -تعالى-: ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران:85) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) (آل عمران:19) .

الصفحة السابقة