شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني.. رَاوٍ ماجن وليس بمؤرخ مدقق (3-3) صور من تجاوزات كتاب الأغاني

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

قال ابن خلكان في الجزء الثالث من كتابه وفيات الأعيان في ترجمة عمر بن أبي ربيعة: (وهو كثير الغزل والنوادر والوقائع والمجون والخلاعة، وله في ذلك حكايات مشهورة)، فـ(نجد من الواجب علينا أن ننزه السيدة سكينة بنت الحسين عن مثل هذا الخبر الشنيع المسقط لقدرها، والمحطم لمنزلتها في ميزان الفضليات من النساء). ويزيد من تضعيف الخبر وجود مجهول في سنده، ففي السند: (قال الزبير: وحدثني عمي، عن ابن الماجشون، قال: ... ثم ذكر الخبر)، (و(لا ننكر الثقة بالزبير بن بكار ولا بابن الماجشون، ولكن جهلنا بعم الزبير، وعدم معرفتنا اسمه وجهلنا بحقيقته تجعلنا لا نثق بهذا الخبر ونقول بضعفه) (راجع المصدر السابق، ص 103 - 106) .

تجاوزات في حق الخلفاء العباسيين:

تجاوز في حق الخليفة العباسي المهدي:

أورد الأصفهاني في الصفحة 142 من الجزء الخامس من الأغاني بسنده أن الخليفة المهدي أعطى دحمان في ليلة واحدة خمسين ألف دينار، وذلك أن دحمان غنى له من شعر الأحوص ما أعجبه وطرب له. والمعروف من سيرة المهدي ملاحقة المتعهرين والإصغاء إلى مواعظ الصالحين من أمثال مالك بن دينار -رحمه الله-؛ فكيف يصدر عنه هذا التبديد الفاحش والتبذير الضخم من أموال الأمة المؤتمن عليها في سبيل أغنية سمعها من مغن أعجبه صوته أو ألحانه. (راجع المصدر السابق، ص 8 - 9) .

تجاوزات في حق الخليفة هارون الرشيد:

أورد الأصفهاني في صفحة 88 من الجزء التاسع من كتاب الأغاني أن الخليفة هارون الرشيد بن المهدي طرب ذات يوم لغناء الجواري له بقصيدة غزلية، فأمر بألا يبقى في بيت المال درهم إلا نثر، فكان مبلغ ما نثر يومئذ ستة آلاف ألف درهم، وما سمع بمثل ذلك اليوم قط.

فهل يستقيم لعاقل أن يصدق هذا الخبر الذي يظهر فيه خليفة المسلمين هارون الرشيد يبذخ كل هذا البذخ مستهترا بأموال الخلافة إلى هذا الحد، فينثر كل ما في بيت مال المسلمين جملة واحدة وفي يوم واحد على حاشيته وندمائه؛ لأنه طرب لغناء جواريه بقصيدة غزلية. (راجع المصدر السابق، ص 9 - 11) .

وأورد الأصفهاني في الصفحة 159 من الجزء الثالث من الأغاني خبَرًا مفاده أنه جبي لهارون الرشيد مال عظيم من بقايا الخراج، فأمر بصرفه كله إلى بعض جواريه حتى استعظم الناس ذلك وتحدثوا به، وهذا ينافي ما عرف عن الرشيد؛ فكيف يبدد مال الأمة في مثل هذا البذخ؟!

ويزيد من رد هذا الخبر قول الأصفهاني في مطلع سند الخبر: (ونسخت من كتاب هارون بن علي)، وعلماء الإسناد يحكمون بضعف مثل هذا الخبر (لأن النسخ من الكتب) -كتب الوراقين في زمانهم- (ليس دليلًا على يقين العلم، بل هو دليل على الوهن والضعف؛ ذلك أن الكتاب قد يطرأ عليه تحريف وتبديل في عبارة أو جملة، أو يتعرض إلى زيادة كلمة أو نقص أخرى أو غموض عبارة أو انطماس حرف، ويرجع هذا إما إلى عامل الزمن المؤثر في ورق الكتاب، وإما إلى غفلة الناسخ وسهوه عن جملة أو سطر كامل، أو غفلة للمؤلف نفسه)؛ (لهذا فإن من اعتمد الكتب فنقل منها وأعرض عن التلقي قراءة أو سماعًا من العلماء ضعفت الثقة بعلمه ونقله، لما قدمناه من أسباب، وأنه لا يزيد على أن يكون وراقا يقرأ كل ما يصل إليه دون أن يميز الخبيث من الطيب).

(وعندما تناول علماء مصطلح الحديث ودرسوا الأسانيد وموضوع الرواية عن طريق الوجادة والنسخ من الكتب، قيدوا صحة النقل من هذه الطريق بقيود، ووضعوا لها بعض الشروط والحدود التي تستوجب الثقة بالمنقول، والاطمئنان إلى العلم به، فقالوا: وإذا نقل شيئًا من تصنيف فلا يقل: (قال فلان) بصيغة الجزم؛ إلا إذا وثق بصحة النسخة بأن قوبلت على أصل المصنف أو على نسخة مقابلة بالأصل، فإن لم يكن شيء من ذلك فليقل: بلغني عن فلان، أو وجدت في نسخة من كتابه، ونحو ذلك بدون جزم. قال النووي -رحمه الله-: (وتسامح أكثر الناس في هذه الأعصار بالجزم في ذلك من غير تحر، والصواب ما ذكرناه. فإن كان المطلع متقنا لا يخفى عليه الساقط أو المغير، رجونا جواز الجزم له، وإلى هذا استروح كثير من المصنفين في نقلهم).

وننبه هنا إلى أن عملية الطباعة في زماننا أكثر دقة وإحكاما مما كان عليه نسخ الوراقين في الماضي، فهم (كانوا يعتمدون على النسخ باليد، التي تتعرض إلى التعب والقلق والشرود أحيانًا، والتأثر بالمؤثرات والعوامل الخارجية أو الداخلية النفسية بالنسبة للناسخ. ومهما كان الناسخ دقيقا فإنه إذا لم يراجع ما نسخه مرات ويقابله بالأصل يبقى في حيز احتمال الثقة فيما نقل لا في يقينها. وأما الطباعة فهي وسيلة دقيقة ومضمونة في نسخ الكتاب، ولا تخضع للأعراض المؤثرات التي تتعرض لها نفس الناسخ، إضافة إلى أن النسخة المطبوعة تخضع لعملية تمحيص وتهذيب وتنقيح عدة مرات قبل أن يستقر تمام عملية الطبع وإصدار النسخ. وهذا ما يسمى بالتصحيح)، (نعم قد تقع بعض الأخطاء المطبعية في الكتاب المطبوع، ولكن هذه الأخطاء ليست بشيء إذا ما قيست بتلك الأخطاء التي كان يقع فيها الناسخون، ثم يتناقلها من بعدهم لتثبت في الأصل كجزء منه، كما أن الخطأ المطبعي يصحح في تعدد الطبعات؛ إذ يرجع في كل طبعة إلى نسخ الأصول، ويقابل فيما بينها، أما هناك فالأمر يختلف؛ إذ يبقى الخطأ نفسه مستمرا في بقية النسخ التي تأتي تباعا؛ لأنها تعتمد على النسخة التي وقع فيها الخطأ) (راجع المصدر السابق، ص 11 - 17) .

وذكر الأصفهاني في صفحة 80 من الجزء الخامس عشر من كتابه أن الرشيد وهب لوصيفه (حمويه) جارية اسمها (ذات الخال) وكان قد اشتراها بسبعين ألف درهم، فلما اشتاق بعد فترة من جديد لسماع غنائها، ذهب إليها عند وصيفه، فاشترى جواهر قيمتها اثنا عشر ألف دينار ووهبها لها، وحلف ألا تسأله في يومه حاجة إلا قضاها، فسألته أن يولي وصيفه (حمويه) الحرب والخراج بفارس سبع سنين، ففعل ذلك، وكتب له عهْدًا بذلك.

الصفحة السابقة الصفحة التالية