الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني.. رَاوٍ ماجن وليس بمؤرخ مدقق (3-3) صور من تجاوزات كتاب الأغاني
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
فـ(في هذا الخبر لا يبدو الرشيد مبذرًا للمال فحسب، بل إنه يبدو مستهترًا بوظائف الدولة، فيجعل المناصب خاضعة لرأي الجواري وشهواتهن). (ولكن التاريخ أخبرنا أن الرشيد ثبت سلطانه قويًّا في الخلافة مدة يعتبرها المؤرخون من أبرز عهود الخلافة الإسلامية تقدمًا ورقيًّا وازدهارًا، إذ غدا عصر الرشيد العصر الذهبي في تاريخ العرب والمسلمين) (راجع المصدر السابق، ص 17 - 19) .
دفاع واجب عن هارون الرشيد:
لقد كانت مجالس هارون الرشيد تضم كبار الفقهاء والقراء والأدباء والشعراء واللغويين، وتجري فيها المباحثات والمناقشات العلمية، وكان الرشيد يصغي إليها بعقل راجح ورأي سديد وذكاء مرهف. وكان يحسن رعاية العلماء والفقهاء واللغويين، فظهر في عهده علماء أجلاء من أمثال الشافعي والقاضي أبي يوسف والكسائي والأصمعي -رحمهم الله- وغيرهم من فحول العلماء. وكان كثير الصلاة وتعلم الحديث، وقد روى عددًا من الأحاديث النبوية، وكان كثير الصلاة والحج والجهاد، فكان يحج عامًا ويغزو عامًا، ويتتبع أثر الوعاظ: كالفضيل بن عياض وابن السماك -رحمهما الله- وغيرهما، فيصغي إليهم بعين دامعة، فمن كان هذا حاله وتلك محامده وهذه تلك إدارته للدولة، فكيف ينكب على الدنيا وشهواتها ويستهين بحدود الدين.
قال ابن خلدون في مقدمته دفاعًا عن هارون الرشيد: (وأين هذا من حال الرشيد وقيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة، وما كان عليه من صحبة العلماء والأولياء ومحاوراته للفضيل بن عياض وابن السماك والعمري -رحمهم الله-، ومكاتبته سفيان الثوري -رحمه الله-، وبكائه من مواعظهم، ودعائه بمكة في طوافه، وما كان عليه من العبادة والمحافظة على أوقات الصلوات وشهود الصبح لأول وقتها)، وهو الذي أشار على الإمام مالك -رحمه الله- بتأليف كتاب (الموطأ). و(حكى الطبري -رحمه الله- وغيره أنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة، وكان يغزو عامًا ويحج عامًا). (ولقد ثبت عنه أنه عهد بحبس أبي نواس لما بلغه من انهماكه في المعاقرة حتى تاب وأقلع) (راجع المصدر السابق، ص 55 - 58 نقْلًا عن ابن خلدون في مقدمته بتصرف) .
وقال ابن خلدون أيضًا في دفاعه عن الرشيد بشأن الخمر: (إنما كان النبيذ، ولم يكن محظورًا عندهم، وأما السكر فليس من شأنهم). والنبيذ: هو أن يؤخذ شيء من الزبيب أو التمر ويطرح في ماء، ثم يترك مدة فيتحلل ويذوب في الماء، فإن غلى وقذف بالزبد صار مسكرًا، وإلا فيبقى شرابًا عاديًا لا أثر له مسكرًا.
قال ابن خلدون: (وإنما كان الرشيد يشرب نبيذ التمر على مذهب أهل العراق وفتاويهم فيها معروفة، وأما الخمر فلا سبيل إلى اتهامه بها، ولا تقليد الأخبار الواهية منها) (المصدر السابق، ص 73، نقْلًا عن ابن خلدون) . وجاء في كتاب الأشربة لابن قتيبة: (وأما النبيذ فاختلفوا في معناه، فقال قوم: هو ماء الزبيب وماء التمر من قبل أن يغليا) (المصدر السابق، ص 73) .
(وإن كان قد وردت بعض الأخبار الصحيحة في حبه للغناء واللهو فهي مبالغ فيها، ولا تمثل الواقع الصحيح لحياة الرشيد) (المصدر السابق، ص 24) .
وبالجملة: (أيمكن لشهوات الحياة وزينة الدنيا إذا انفتحت على إنسان فأقبل عليها شغفًا، أن تصنع منه عالمًا فذًّا وفارسًا بطلًا وعابدًا صالحًا؟!)، (والدين لم يحرم على الإنسان التمتع بزينة الحياة الدنيا ما دام لا يتعدى بذلك حدود الله ويخالف آداب الدين الحنيف؛ فإن اتهم بعض خلفاء بني أمية وبني العباس بالتمتع بالجواري الروميات وغيرهن فالدين لم يحرم ذلك، بل أباحه؛ لقوله -تعالى-: ( أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) (النساء: 3) ، (وإن اتُّهِمُوا بالأكل والشُّرب من الطيب اللذيذ والفاخر الجميل فقد أباح الدِّينُ ذلك؛ لقوله -تعالى-: ( كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا ) (البقرة: 168) .
وأما الشراب فلم يكن الخمر، ولم يثبت عن واحد منهم أنه شرب الخمر أو أسرف في شربها، اللهم إلا الوليد بن يزيد والأمين بن الرشيد، فهْمًا الخليفتان الوحيدان اللذان كثرت الروايات عن معاقرتهما الخمر وإسرافهما في شربها، ومعظم هذه الروايات مكذوب مختلق) (المصدر السابق، ص 65) ، (وإن اتهموا بكثرة الإنفاق فما في ذلك من عيب، بل الإنفاق فضيلة ما دام يجري وفق تعاليم الدين الحنيف وآدابه. وقد جاء في سير أولئك الخلفاء أنهم كانوا ينفقون من الأموال على العلماء والأدباء).
(وأما ما جاء عنهم في أخبار تبذيرهم وإسرافهم في صرف الأموال في غير الوجوه المشروعة فمعظم ذلك مختلق مكذوب عليهم) (المصدر السابق، ص 66، 67) .
(وجدير بنا أن نذكر هنا ونحن في معرض تقييم أخبار الأغاني أن أبا الفرج كان يصرح أحيانًا باختلاق بعض هذه الأخبار وكذبها على الخلفاء، وهذا يؤكد صدقًا ما ذهبنا إليه فيما نقلناه وعالجناه من كون معظم هذه الأخبار مكذوبة على أصحابها.
ومن أمثلة تصريحه هذا قوله في معرض حديثه عن الغناء ونسبته إلى بعض الخلفاء في الجزء الثامن، الصفحة 144: (المنسوب إلى الخلفاء من الأغاني والملصق بهم منها لا أصل لجله ولا حقيقة لأكثره، ولا سيما ما حكاه خرداذبة) (انظر المصدر السابق، ص 41، نقْلًا عن الأغاني) .
تجاوز في حقّ الخليفة المأمون:
ذكر الأصفهاني في الصفحة 182 من الجزء الثامن عشر أن المأمون قَبَّل -بفتح القاف وتشديد الباء- في أحد الأيام رجل المغنية (عُرَيب) -بضم العين وفتح الراء-. والخبر في الجملة ينافي سيرة المأمون، الذي عرف بالعقل والحزم والعدل وسعة العلم، حتى قال فيه السيوطي -رحمه الله-: (لم يل الخلافة من بني العباس أعلم منه). وسند هذا الخبر فيه (علي بن يحيى المنجم) مما يجعل الخبر لا يتخطى مرتبة الضعف. (راجع المصدر السابق، ص 25، 26) .
تجاوز في حقّ الخليفة الوليد بن يزيد:
استفاض الأصفهاني في ذكر لهو الوليد بن يزيد وشربه وملذاته واستهتاره، ومن أشد ما ذكره في الصفحة 125 في الجزء السادس من خبر تمزيق الوليد للقرآن الكريم. و(مهما بلغ خليفة من خلفاء المسلمين من الاستهتار والانحراف والانغماس في الشهوات، فإنه بعيد عليه، بل يستحيل أن يصل إلى إعلان الكفر بهذا الشكل السافر!).
