الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني.. رَاوٍ ماجن وليس بمؤرخ مدقق (3-3) صور من تجاوزات كتاب الأغاني
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد استمر كتاب الأغاني لقرون ولأجيال مرجعًا لأهل الأخبار والروايات الأدبية والقصص والحكايات، والشعر وقصائد الغناء، وذاع صيته بين العرب والعجم؛ وذلك لكونه مَصْدرًا واسع الأرجاء غزير المادة كثير الأمثال، يلبي ويستوفي حاجة الكثيرين من طالبي الشعر والأدب والباحثين عن المتعة والتسلية والمؤانسة؛ فقد بذل كاتبه جهدًا كبيرًا حتى حشد وجمع في كتابه هذا -الذي بلغ بضعة وعشرين مجلدًا (24 مجلدًا)- كل ما هو متداول في عصره بين الناس من روايات أدبية وشعر وغناء وقصص وحكايات، حتى صار كتابه يغني عن غيره، وغيره لا يغني عنه، وصار له عشاق ومحبون عبر العصور.
وقد عمد الأصفهاني في كتابه إلى استقصاء كل خبر بجمع معظم رواياته؛ حرصًا منه على أن ينقل كل ما وصل إليه وعلمه، ليقدم للقراء عطاءً شاملًا في الأدب؛ لذا كان الكتاب ملاذًا لكل من يلجأ إليه من طالب الأدب والمتعة.
ورغم هذه المكانة التي بلغها كتاب الأغاني؛ إلا أنه يجب الانتباه إلى -والتحذير من- سقطات كاتبه وتجاوزاته بما رواه من مرويات وأخبار مكذوبة وموضوعة؛ خاصة في حق شخصيات وأفراد اتفق المؤرخون على حسن سيرتهم ونزاهتهم وهو على علم بحالها، بما يجر إلى مفاسد جمة وفساد مستطير، كفيلة بسقوط مكانة الكتاب من نفوس الأدباء، وضعف ثقة العلماء فيه، ويوجب عليهم التحذير من سقطاته وفلتاته.
ونظرًا لضخامة الكتاب، فسنقتصر على ذكر بعض تجاوزات الأصفهاني في حق بعض الصحابة وأهل البيت وفي حق بعض الخلفاء، الذين يعد تشويه سيرتهم أو التشنيع عليهم من تشويه تاريخ الأمة.
تجاوزات في حق جيل الصحابة:
لم يسلم جيل الصحابة -رضي الله عنهم- من تجاوزات كتاب الأغاني، ومنهم:
تجاوز في حق حسان بن ثابت -رضي الله عنه-:
ذكر أبو الفرج في الأغاني بسنده أن حسان بن ثابت -رضي الله عنه- حضر مأدبة في آل نبيط (بني نبيط)، فلما فرغوا من الطعام أتوا بجاريتين، إحداهما تسمى: (رائقة)، والأخرى تسمى: (عزة)، فجلستا وأخذتا مزهريهما، وضربتا ضرْبًا عجيبًا غنتا بشعر لحسان، فدمعت عيناه، فكان إذا سكتتا سكت عن البكاء، وإذا غنتا بكى. وهذا الخبر يبين (أن هذا الصحابي الجليل لم يكن مُلْتَزِمًا ذلك الالتزام الذي يبعده عن مجالس الهوى. فيظهر لنا في هذا الخبر متسامحا بعض الشيء بمجالس الهوى)، (فكيف يستقيم لنا أن مثل هذا الصحابي الذي أيده الله بروح القدس -جبريل- أن يرتاد في أواخر حياته مجالس اللهو والسمر، وينصت إلى غناء المغنيات، ويسترسل في جلوسه وهو يسمع الغناء، ويتأثر بأصوات المغنيات حتى تذرف عيناه؛ مثل هذا الخبر لا يليق بقدر هذا الصحابي الجليل) (ينظر: جولة في آفاق الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، تأليف نذير محمد مكتبي - ط. دار البشائر الإسلامية - بيروت - ط. أولى 1410 هجريا - 1990م، 83 - 85 بتصرف) . والخبر في سنده (الواقدي) وهو متفق على ضعفه، متروك الحديث، ليس بثقة، بل هو كذاب عند بعض أئمة الحديث. (فلا ريب في أن تضعيف هذا الخبر من حيث سنده ووروده مؤذن برده، واحتمال كونه من أكاذيب الواقدي التي تسربت إلى أبي الفرج وغيره من كتب الأخبار والسير) (راجع المصدر السابق، ص 85 - 86) .
تجاوز في حق عمر بن الخطاب:
أورد أبو الفرج في الصفحة الرابعة من الجزء الرابع عشر من كتاب الأغاني أنه لما أسلم جبلة بن الأيهم الغساني، وكان من ملوك آل جفنة، كتب إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يستأذنه في القدوم عليه، فأذن له عمر، فخرج إليه في خمس مائة من أهل بيته، حتى إذا كان على مرحلتين كتب إلى عمر يعلمه بقدومه، فسر عمر، وأمر الناس باستقباله، وبعث إليه بأنزال. وأمر جبلة مائتي رجل من أصحابه فلبسوا السلاح والحرير، وركبوا الخيول معقودة أذنابها، وألبسوها قلائد الذهب والفضة، ولبس (جبلة) تاجه، ودخل المدينة، فلم يبق بها بكر ولا عانس إلا تبرجت، وخرجت تنظر إليه وإلى زيه، فلما انتهى إلى عمر رحب به وألطفه وأدنى مجلسه... إلى آخر الخبر.
و(نحن لا نستغرب أن يأمر خليفة المسلمين عمر الناس بالخروج لاستقبال جبلة بن الأيهم؛ وذلك تأليفا وطمعا في إيمانه، فهو ملك، وقد روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أنزلوا الناس منازلهم"، ولكن نستغرب أن تخرج النساء متزينات لاستقباله مع الرجال، ويزيدنا غرابة: أن يختار راوي الخبر من النساء البكر والعانس، فهن اللواتي أخذن كامل الزينة وخرجن لينظرن إلى جبلة، ويتأملن زيه!)، ونستغرب في عهد عمر بن الخطاب أن تخرج النساء ذلك الخروج الذي تجاوزن فيه حدود آداب الدين الحنيف، ولا تتحرجن من الاختلاط وهن متبرجات، وإذا قرأنا سيرة عمر في خلافته ومدى تطبيقه لتعاليم الدين وتنفيذه لأحكام شريعة الله، نستبعد صحة هذا الخبر.
(ولنا في خبر نصر بن حجاج شاهد على ما نقول، فقد جاء من أمره أنه كان جميلًا ذا فتنة في وجهه، فقالت إحدى نساء المدينة:
يا ليت شعري عن نفسي أزاهقة مني ولم أقض ما فيها من الحاج؟
هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم من سبـيـل إلى نـصـر بن حجاج
وسمع البيتين أمير المؤمنين عمر، فقال: لا أرى رجلًا في المدينة تهتف به العواتق في خدورهن، وطلبه فجاء، فأمر به فحلق شعر رأسه، ثم نفاه إلى البصرة)، (ولما قتل عمر -رضي الله عنه- عاد نصر إلى المدينة)، (فنفي رجل من المدينة لا ذنب له إلا أنه جميل الوجه، ولكن جماله يفتن النساء، دليل قاطع على رفض كل خبر يقول بظهور التفلت والتبرج على الرغم من شدة أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه-) (راجع المصدر السابق، ص 86 - 91 بتصرف) .
تجاوز في حق ابنة الحسين:
أورد الأصفهاني في الأغاني خبَرًا عن تحاكم السيدة سكينة بنت الحسين -رضي الله عنهما- من أهل البيت وضرتها عائشة بنت طلحة إلى الشاعر عمر بن أبي ربيعة، إذ طلبتا منه أن يقضي بينهما أيتهما أجمل! و(لا نتصور امرأة كسكينة بنت الحسين المشهود لها بالصلاح والعلم، وحسن الأخلاق وسلامة الدين يمكن أن تتصرف كهذا التصرف المتهتك!)؛ خاصة وأن عمر بن أبي ربيعة -كما هو معروف عنه- شاعر متهتك.
