شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أوروبا من عصر النهضة إلى ما بعد الحداثة

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وغالبًا فإنَّ حركة النهضة في أي أمة تَنبع من خلفيتها الثقافية والحضارية؛ لذا استمدَّت أوروبا سِمات نهضتها من ماضيها المتمثِّل في الحضارة اليونانية والرومانية الوثنية القديمة، والتي تقوم على تقديس العقل وتبجيل القوة. وقد حال بين أوروبا والأخذ بالإسلام الذي كان ماثلًا أمامها ما حَمَلته أوروبا من الضغينة والعداوة للإسلام عبر تاريخ طويل من الصراع المرير والحروب، انتشر فيها الإسلام وتمدَّد على حساب الإمبراطورية الرومانية، وسَلَبها ما كانت تمتلكه من أراضٍ في غرب آسيا وشمال إفريقيا، ثم امتدَّ الصراع إلى داخل أوروبا نفسها، ليصل إلى الأندلس وجنوب فرنسا غربًا، ودول البلقان وشرق أوروبا شرقًا، والتي أصبحت بعد الفتوحات الإسلامية لها من الممالك الإسلامية، ومراكز للإشعاع العلميِّ والحضاريِّ داخل أوروبا.

2- مرحلة عصر التنوير (أو عصر العقل):

وهي الفترة التي استغرقت مُعظم القرن الثامن عشر الميلادي في أوروبا، واستمرت حتى قيام الثورة الصناعية وقيام الثورة الفرنسية في عام 1789، وقد لَعِب فيها الفلاسفة الفرنسيون وفي مقدِّمتهم: (فولتير) و(روسو) و(مونتسكيو) دورًا كبيرًا في صياغة الأفكار التي سادت أوروبا بعد ذلك، ثم انتقلت إلى مختلف دول العالم.

وتميَّز عصر التنوير (إن لايت منت) في أوروبا بالثورة على تقاليد الكنيسة بسبب مُحاربتها للعلم والعلماء، ومن ثَمَّ الاهتمام باستخدام العقل كمصدر للمعرفة، والتشكيك في الأفكار التقليدية، ونَبْذ الخرافات، والتركيز على المنهج التجريبي بصفته المنهج الوحيد للعلم، والرَبْط بين التقدم الإنسانيِّ العلميِّ والتكنولوجيِّ والتقدم الأخلاقيِّ والثقافيِّ، مع بروز النزعة الفردية والدعوة إلى الحرية. وهو ما أدَّى بعد ذلك إلى ظهور الليبرالية.

3- مرحلة التحديث:

هو فترة زمنية (تاريخية) تَلت القرون الوسطى شَهِدت تحوُّلًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا، تمَّ فيها تبنِّي أساليب ومفاهيم جديدة في التقدم والتكنولوجيا. وهي مرحلة كَسْر القوالب الجامدة والتقاليد التي تُعوِّق حركة التطور والتقدم، وما يقتضيه ذلك من نَبْذ الفكر الخرافيِّ والاعتماد على العقل وتبنِّي مناهج البحث العلميِّ، والاستفادة من المنجزات العلمية في مجالات العلوم الطبيعية والتطبيقية لتحقيق المزيد من التحضُّر والازدهار.

وتقوم مرحلة التحديث على معايير يمكن بها وصف مجتمع ما بأنه في حالة تحديث (مودرن نيزايشن)؛ منها: التطور في التصنيع والتعدين، وظهور التعليم العام الدُّنيوي، والمنهج العلمي في البحث والتفكير، وإعلاء قيمة العمل والتخصُّص فيه، وانتشار النزعة الفردية، وبروز اقتصاد المشروعات الخاصة، ونشأة الدول القومية، وارتباط زيادة الإنتاج بنظام الأجور والتسعير والتوزيع. وقد صاحَبَ ذلك بالطبع تغيُّرات كثيرة في المعتقدات والأفكار والقيم والثقافة.

واستخدام مصطلح حديث (مودرن) هنا في مقابلة القديم ليس معناه أنَّ لأجل وجودنا في زماننا الحالي كانت صياغة هذا المصطلح، فليس المراد مُجرد الزمن الحالي في مقابل الزمان الماضي، ولكن المراد وعْي الشعوب بأن أسلوب حياتهم مع التطور والتقدم أصبح أفضل من أسلوب وحياة أسلافهم. ولهذا يَربط البعض بين عصر النهضة والعصور الوسطى، والتي شَهدت في أوروبا حركات دينية وإنسانية وكُشوفًا جغرافية واختراع الطباعة ونحو ذلك.

4- مرحلة الحداثة (أو العصرنة):

إذا كان المُراد بالتحديث الفِعل، وهو كَسْر القوالب الجامدة والتقاليد وتبنِّي المناهج العلمية لتحقيق المنجزات العلمية، فإن المُراد بالحداثة (مودرن يزم) صِفة وفلسفة تُعبِّر عن الوَعْي الذاتي بوضع الإنسان في التاريخ. فهي مذهب فكري أدبي علماني، يقوم على تحديث وتجديد كل ما هو قديم في المجال الفكري والثقافي. فالتحديث تغيير مادي شكلي، بينما الحداثة تغيير عقلي فكري قيمي.

وقد ارتبطت الحداثة في أوروبا بعَزْل الدين عن الدولة في المجتمعات الأوروبية، وتبنِّي الأفكار والعقائد والمذاهب الفلسفية والأدبية المادية التي سبقت ظهور الحداثة، فكانت بمثابة إفرازات لِفِكر مادي نشأ بعد انتشار العلمانية والرأسمالية وغَلَبة النزعات التحرُّرية والقومية.

وقد انتقلت من الفلسفة إلى السياسة والاقتصاد والاجتماع، لتُصبح حالة حضارية تاريخية أثمرت عن تغييرات عميقة في المجتمعات الأوروبية في المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، لتَشمل تداخل وتفاعُل مجالات البحث والمعرفة والتطبيق التكنولوجيِّ مع مؤسسات الحُكم السياسية والمدنية والتشريعية والمعاملات التجارية، في إطار بناء الدولة القومية وتزايد سلطاتها مع تزايد مساحة الحريات والمسؤولية الفردية. فالحداثة هي توافُق جديد مع تجربة وقِيَم الحياة الصناعية الحديثة، وما نَتَج عنها من مشكلات متعدِّدة في كافة المجالات، بدايةً من مشكلات التلوث إلى استنزاف الموارد الطبيعية.

وفي مجال الأدب: بدأ مذهب الحداثة في أوروبا في مُنتصَف القرن التاسع عشر من باريس بفرنسا على يد كثير من الأدباء السِّيرِيَالِيِّين والرمزيين، والماركسيين، والفوضويين والعبثيين، وامتاز بالغموض حتى في عناوين القصائد والكتب من خلال الرغبة في الانطلاق بلا ضوابط وبلا معايير.

5- مرحلة ما بعد الحداثة:

ما بعد الحداثة تيار فكري ثقافي فلسفي جديد نشأ في مُنتصَف القرن العشرين، وهي الفترة التي أعقبت هيمنة الحداثة على النواحي النظرية وعلى الممارسة الثقافية في العقود الأولى من القرن العشرين. وتُعَدُّ ما بعد الحداثة أسلوبًا وطريقة في التفكير بمثابة رد فعل لقصور تراه في الحداثة، فهي تنظر إلى الحداثة على أنها مُفرِطة في العقلانية والتنظيم، وتَتوجَّس من ذلك؛ لذا يرى البعض أنها لا تعني نهاية الحداثة، بل هي استمرار وامتداد لها بمناهج ووسائل أخرى لتصحيح بعض سلبياتها.

الصفحة السابقة الصفحة التالية