أوروبا من عصر النهضة إلى ما بعد الحداثة
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وما بعد الحداثة (بوست مودرن يزم) تُشكِّك في وجود حقائق كونية مُطلقة، وتُشكِّك في المفاهيم المُطلقة المتعلِّقة بالتقدم؛ لذا فهي تتبنَّى النسبية والتعددية، وتتبنَّى وجهات نظر متعدِّدة ومتنافسة بدلًا من وجود حقيقة واحدة عالِمة، وهي لا تُخصِّص نمطًا واحدًا من الفن والثقافة بل ترتبط بالتعددية. وهي تَرفُض الحقائق الكونية، وتَعمل على تفكيك السرديات الكُبرى بانتقاد الروايات الكُلِّية التي تُحاوِل تفسير العالم بشكل شامل.
ويرى مُنتقدو ما بعد الحداثة أنها تَفتقد الترابُط المَنطقيَّ، وتدفع إلى النسبوية المُطلقة، وتؤدِّي إلى الغموض وإضعاف القُدرة على إصدار الأحكام، وعليه فإن مجتمع ما بعد الحداثة أفراده مُتشكِّكون.
فالحداثة: ثبات وشمول، وعمل مُغلق مُكتمل له معنى ومدلول، بينما ما بعد الحداثة بمثابة عمل مفتوح غير مُكتمل.
فائدة مهمة:
قال الدكتور أحمد زكريا الشِّلق في كتابه حول أثر حملة نابليون بونابرت الفرنسية على مصر (الحداثة والإمبريالية.. الغزو الفرنسي وإشكالية نهضة مصر): (وإذا كانت المصطلحات والمفاهيم السابقة تخصُّ التاريخ الأوروبي أو الغربي على وجه العموم فقد أَثَّرَتْ في تاريخ مصر بشكل أو بآخر من خلال غزو الغرب واستعماره لها، وليس معنى هذا أن مصر مَرَّت بنفس المراحل التي مَرَّت بها أوروبا في تطوُّرها الخاص، فبينما انتهى عصر النهضة الأوروبي في أواخر القرن السابع عشر ليبدأ عصر التنوير فإنَّ الرأي السائد أن مصر بدأت نهضتها مع بداية القرن التاسع عشر، وبينما انتهى عصر التنوير الأوروبي في أواخر القرن الثامن عشر لم تبدأ مصر خُطوتها الأولى نحو التنوير إلا مع بداية القرن العشرين تقريبًا.
لقد كانت مصر تعيش الحالة الحضارية التي كانت عليها الدولة العثمانية باعتبارها إحدى ولاياتها، حيث كانت تَحيا في ظل نظام عثماني مَملوكي تقليدي في الوقت الذي كانت أوروبا فيه قد خَرَجَتْ من سُبات العصور الوسطى، وانطلقت بآفاق النهضة إلى عصر التنوير، الذي بَلَغَ ذروته في بداية عصر الثورة الفرنسية) (انظر كتاب: الحداثة والإمبريالية.. الغزو الفرنسي وإشكالية نهضة مصر، الدكتور أحمد زكريا الشِّلق - إصدار الهيئة العامة لقصور الثقافة - القاهرة) .
وأضاف الدكتور أحمد زكريا: (وإذا كانت مصر لم تَمُرَّ تاريخيًا بالضرورة بنفس المراحل التي مَرَّت بها أوروبا في تطوُّرها خلال العصر الحديث باعتبارها شَهِدت تجربة اختلطت أو امتَزَجت فيها مرحلة أو أكثر، فلم تَظهَر فيها الحدود التي مَيَّزت المراحل الأوروبية، فإنَّ ذلك ربما يُفسِّر استخدام كُتَّابنا لتلك المفاهيم أو المصطلحات التي عَبَّرت عن هذه المراحل بقَدْر من الخَلْط والترادف. وهو ما يَبدو واضحًا في استخدام مصطلحي النهضة والتحديث أو النهضة والحداثة، وقد تُستخدَم كلمة التحديث بمعنى الحداثة، أو الدخول في العصر الحديث، باعتبارها جميعًا من جِذْر لُغوي واحد، وإن كان التحديث يَنصرف إلى عملية صَيْرورة قائمة تَأخذ بمعايير وخصائص الحداثة. وعمومًا فإنَّ الحداثة صِفة لعصر أو مرحلة، والأخذ بالتحديث يُفضي إليها. ويَبقى أن نُشير إلى أنَّ مفهوم التحديث لدى المُفكرين الغربيين ومن يُشايعهم من غير الغربيين، هذا المفهوم يُشير إلى اقتباس غير الغربيين لِنتاج الحضارة الأوروبية في العصر الحديث، من علم وصناعة وتنظيم وفكر وثقافة وأخلاق ونمط حياة. وفي الجانب المُقابِل يرى المُفكرون القوميون في غير البلاد الأوروبية أنَّ المفهوم السابق للتحديث إنما يعني التغريب (ويستر نايزيشن) أو الاصطباغ بالصَبغة الغربية) (ينظر: المصدر السابق) .
(وعلى ذلك لا نرى بأْسًا من استخدام مصطلحي النهضة والحداثة بمعنى النهوض والتقدم نتيجةً للأخذ بأُسُس ومقومات الحضارة الحديثة، والسعي نحو الرقي الإنسانيِّ في شتَّى صُوره ومجالاته، مع الأخذ في الاعتبار خصوصية هذا التقدم قياسًا إلى المراحل التاريخية السابقة، وقياسًا إلى التطور الإنسانيِّ العام الذي بَلَغَته البشرية) (ينظر: المصدر السابق) .
