شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أوروبا من عصر النهضة إلى ما بعد الحداثة

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد عانت قارة أوروبا في القرون الوسطى الميلادية من صور متعدِّدة من الاستبداد التي كَبَّلتها ومَنَعَتها من الأخذ بأسباب التقدم والرقي؛ منها:

- الاستبداد الديني: الذي يتمثَّل في الاستبداد الطاغي للبابا ولرجال الكنيسة، وفَرْضهم لآرائهم المتحجِّرة على أتباعهم، وجَعْلها من الدين؛ إضافةً إلى ما أحدثوه فيه من تحريف لفظي ومعنوي في كتابهم المُقدَّس، وما مَنَحوه لأنفسهم من حقِّ التحليل والتحريم، ومِنْ مَنْحِ صُكوك الغفران لمن شاءوا، ومَنْعها عمن شاءوا، وفَرْض التقليد الأعمى على شَعب الكنيسة باسم الدين، وهو ما أدَّى في النهاية إلى مصادمة العلم الصحيح، ومحاربة العلماء إذا تجرَّأوا على الجَهْر بما ثَبَت عندهم من العلوم التجريبية وجاء على ما يُخالف آراء الكنيسة، أو لا يرضى عنه البابا ورجال الدين، أو لم يَأذَنوا به.

- الاستبداد السياسي: والذي يتمثَّل في سلطة الملوك والأباطرة الذين حَكَموا العباد حكمًا مُطلقًا لا مناقشة ولا رجعة فيه، وخَضَعَت لهم رقابُ الناس رَضُوا أم أبَوا، يتحكَّمون به في معاشهم وأحوالهم. ويتوارَث هذا المُلْك عائلاتٌ بعينها أو طوائفُ لا يُنازعهم فيها أحد؛ إذ تجري بزعمهم في عروقهم دماء الملوك، أو لكونهم قد نالوا البركة والتأييد من البابا والكنيسة، بما يُوجب طاعة الجميع لهم والانقياد.

- الاستبداد الاقتصادي: والذي يتمثَّل في تَمَلُّك قِلَّة من الأمراء والنبلاء والأغنياء للأراضي الزراعية الواسعة، وقَت كانت الزراعة عَصب الاقتصاد، حيث يعمل في هذه الأراضي الزراعية المملوكة لهؤلاء القِلَّة من الأفراد الغالبيةُ العظمى من أبناء الشعب كأُجَرَاء فيها أو عَبِيد، يتحكَّم فيهم سادتهم من الإقطاعيين مالكي الأرض كيف شاءوا، بينما هم لا حَوْل لهم ولا قوة.

وهكذا عاشت أكثر المجتمعات في أوروبا في ظلِّ هذه الصور المتعدِّدة من الاستبداد في جَهْل وفَقْر وتخلُّف وحرمان، لا حرية للتعلُّم ولا للعمل ولا للانتقال، ولا حرية في الرأي والفكر، ولا مكان فيه للعلماء والمُصلحين إلا من كان منهم مُنقادًا لاستبداد الكنيسة، وإلا وقَعوا تحت مِقصلة محاكمة التفتيش وآلات التعذيب والبَطْش فيها.

كان هذا واقع أوروبا في القرون الوسطى الميلادية، مُكبَّلةً بهذه القيود من صور الاستبداد المتعدِّد والتخلُّف والعبودية والحرمان، بينما كان العالم الإسلاميُّ على اتِّساعه وتَرامي أطرافه وتعدُّد قومياته واختلاف شُعوبه يعيش في نفس هذه الفترة الزمنية مرحلة مُتقدِّمة من الازدهار والمدنية والتحضُّر، ويَحمل منفردًا مشاعل العلم والمعرفة في شتَّى مجالات العلوم المختلفة، ويَرفع راية السبق فيها.

ومهما تحفَّظ البعض على بعض السلبيات أو مظاهر الضعف التي قد تكون ظهرت في فترات من تاريخ الأمة الإسلامية؛ فلا وجه للمقارنة بين أوروبا والعالم الإسلاميِّ وَقْتَها بوجه من الوجوه.

كانت هناك حرية التعلُّم وحرية العمل، وحرية الرأي والفكر، وحرية التجارة والتنقُّل والترحال، في بيئة هيَّأت الظروف المُناسبة للتعلُّم وللعمل والعطاء والابتكار، وظَهَرَ الكثير من العلماء الأفذاذ في كافة مجالات وفروع العلم وفق المنهج التجريبي الذي أسَّسه علماء المسلمين، واستحقُّوا به الريادة عن استحقاق، وخَطَوا بالبشرية خطوات واسعة في العلوم المختلفة من الرياضيات والكيمياء والفلك والجغرافيا والطب، وظَلَّ إنتاجهم العلميُّ هو المَرجِع والأساس لكل طلاب العلم في العالم أجمع بلا مُنازع ولقرون عديدة.

وقد لَمَسَ الأوروبيون ذلك من خلال الاحتكاك المباشر بهذه الحضارة الإسلامية؛ سواء في الأندلس غربًا، أو في بغداد ودمشق والقاهرة شرقًا، وتأثَّروا بها وأخذوا عنها، خاصةً خلال فترة الحروب الصليبية التي كانت أيضًا صورة من صور الاحتكاك المباشر بين أوروبا والعالم الإسلاميِّ عاد منها الأوروبيون إلى بلادهم وقد أدركوا الفارق الكبير بين أوروبا وما تُعانيه من صور الاستبداد والتخلُّف، وبين العالم الإسلاميِّ وما فيه من الحريات والازدهار والتقدم العلميِّ، فكانت عواصم العالم الإسلاميِّ في تلك الفترة مَنارات للعلم والمعرفة مفتوحة أبوابها للجميع. (للاستزادة: راجع في ذلك: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ للأستاذ أبي الحسن الندوي) .

وكان على أوروبا أن تستفيق وتأخذ بأسباب التقدم والرقي، وفي مقدِّمتها التخلُّص من صور الاستبداد؛ التخلُّص من الاستبداد الدينيِّ بالحدِّ من سلطة الكنيسة وحَصْر سُلطانها داخل جدرانها، والتخلُّص من الاستبداد السياسيِّ بالتخلُّص من النُظُم الملكية المُستبدَّة من خلال إقامة أنظمة حُكم قومية ديمقراطية، أو ملكية مُقيَّدة بالدساتير والقوانين، والتخلُّص من الاستبداد الاقتصاديِّ من خلال نُظُم رأسمالية وثورة صناعية. وهكذا سلكت أوروبا طُرُق النُظُم والمناهج العلمانية القومية الرأسمالية لتبني عليها حضارتها ومَدَنيَّتَها الحديثة.

وقد قَطعت أوروبا خلال عدة قرون مراحل متعدِّدة للوصول إلى ما عليه الآن من المعتقدات والفكر والقيم، وهي مراحل متفاوتة، لكنها أيضًا متداخلة، تَحتاج إليها الأُمم للوصول إلى ما تتطلَّع إليه من الرقي والتقدم، وهي وإن كانت مراحل عامة التوجُّه، لكن سِماتها وكيفياتها تختلف بحسب الخلفية الاعتقادية والفكرية للأُمم وقِيَمها ومبادئها التي ارتضتها لنفسها.

ويمكن عَرْض هذه المراحل مُبسَّطة كالآتي:

1- مرحلة عصر النهضة:

المُراد بعصر النهضة في أوروبا الفترة الانتقالية التي مَرَّت بها أوروبا من العصور الوسطى القاتمة المُظلمة إلى عصر التنوير، والتي استغرقت نحو ثلاثة قرون بدايةً من القرن الخامس عشر حيث بدأت وانبعثت في إيطاليا، ثم امتدت خلال القرنين التاليين السادس عشر والسابع عشر إلى سائر أوروبا.

وكلمة النهضة (ري نايسنس) تعني: اليقظة بعد سُبات، أو القيام والنهوض بعد رُقود. والمعنى الأكبر لها أنها انبعاث بعد ركود وانحطاط، وإحياء وتجديد، أو ولادة من جديد.

الصفحة التالية