اليهود والمسيح -عليه السلام- (1-3)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
فلا شك أن الإيمان باليوم الآخر من ثوابت الرسالات السماوية التي أنزلها الله -تعالى- في أي مكان أو زمان، بما فيها شريعة موسى وأنبياء بني إسرائيل من بعده. ولكن المطلع على عقائد الفرق اليهودية عند ظهور المسيح -عليه السلام- يجد أن هذا الأمر كان مشوشًا؛ فالصدوقيون وهم أهم الفرق والذين منهم الكاهن الأكبر كانوا منكرين لمسألة اليوم الآخر، فلا آخرة ولا جنة ولا نار، بل هي الحياة الدنيوية التي يثاب فيها المرء أو يعاقب على أفعاله. أما الفريسيون، ومنهم يكون كهنة الهيكل عدا الكاهن الأكبر، وهم المتحكمون في مجلس (السنهدرين) الذي يبت في المسائل الدينية لليهود فكان أمر اليوم الآخر عندهم مشوشًا، وإيمانهم بالثواب والعقاب كان جزئيًا أو شكليًا، فتوراة موسى التي معهم لا تذكر أو تلمح باليوم الآخر، ولا يوجد ذكر للجنة والنار بشكل واضح، بل كانت لدى البعض منهم فكرة (تناسخ الأرواح)، بأن الروح الطيبة تنتقل عند موت صاحبها لتولد من جديد وتعيش حياة أخرى كاملة حتى ميعاد الآخرة، بينما الروح الشريرة تحرم من ذلك.
عدم القول بعصمة رجال الدين:
قال الفريسيون بعصمة رجال الدين، فهم عندهم معصومون من الخطأ مما يعني أنهم الفائزون في الآخرة، وأن لهم فيها أفضل مكانة، أيا كانت صورة تلك الآخرة. بينما في العهد الجديد نرى مواقف وصف فيها المسيح هؤلاء الفريسيين بالنفاق والرياء!
إثبات الكمال لله -تعالى-:
فرغم أن اليهود عند مجيء المسيح كانوا معترفين بوجود الله -عز وجل- كإله واحد، لكن كان توحيدهم هذا أيضًا مشوشًا؛ إذ ألصقوا بالله -سبحانه وتعالى- صفات بشرية تنافي ألوهيته، فهو عندهم لما أكمل خلق العالم في ستة أيام استراح في اليوم السابع (يوم السبت)؛ لذا حرَّم عليهم العمل فيه. وعندهم الله -سبحانه وتعالى- يندم، كما في ندمه على اختيار شاؤول (طالوت) ملكًا على بني إسرائيل، فزعموا (والرب ندم لأنه ملك شاؤول على إسرائيل) (سفر صموئيل)، بينما كانت دعوة المسيح إثباتًا للقدرة الكاملة لله -تبارك وتعالى-.
إثبات نبوة كل أنبياء بني إسرائيل ونفي الزلات عنهم:
كان إيمان بني إسرائيل بأنبيائهم فيه اضطراب، فمنهم من يؤمن بكل أنبياء بني إسرائيل، ومنهم من لا يؤمن إلا بموسى وهارون ويوشع ولا يؤمنون بنبوة من جاء بعدهم. وقد تعنتوا مع أنبيائهم وعصوهم. كما نسبوا لبعض أنبيائهم فعل الفواحش، فجعلوا نبي الله لوط -عليه السلام- يشرب الخمر ويزني بابنتيه، فحبلت ابنتا لوط من أبيهما (سفر التكوين (19): 30-38). وزعموا أن داود -عليه السلام- عشق زوجة قائد جيوشه (أوريا الحثي) فسعى في قتله بأن بعثه في بعثة حربية معروف مصيرها مسبقًا ليقتل فيها فيتخلص منه ويظفر هو بزوجته (سفر صموئيل الثاني (12): 8-14). وادعوا أن سليمان -عليه السلام- كان يمارس السحر، بل وقتلوا بعض هؤلاء الأنبياء كزكريا ويحيى -عليهما السلام-.
لم يقم لهم ملكًا كانوا يتطلعون إليه:
جاء المسيح بدعوته لكنه لم يعلن الحرب على الرومان، وإنما دعاهم إلى الرجوع إلى شريعة موسى -عليه السلام- مع المجيء بتعديلات قليلة مكملة. بينما كان اليهود في ذلك الوقت يتطلعون إلى المسيح المنتظر، يريدونه ملكًا قويًا يعلن الحرب على الرومان ويهزمهم ويحرر لهم أرض يهوذا، ثم يجهز الجيوش اليهودية ليقيم حربًا مقدسة ضد جميع الأمم المجاورة وغير المجاورة ليستعبد كل هذه الأمم.
التبشير بأحمد الرسول الخاتم -صلى الله عليه وسلم-:
وهذا مما بشر به الإنجيل وبالتحديد إنجيل (يوحنا). والإخبار عنه بأنه النبي الأخير، وأنه ليس منهم بل من أمة أخرى، أي ينزع الريادة منهم، وهم ينتظرون أن يكون هذا النبي منهم كما اعتادوا في السابق.
من هنا كانت العداوة الظاهرة من اليهود للمسيح -عليه السلام- ولما جاءهم به ومحاولاتهم للتخلص منه.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
