شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

اليهود والمسيح -عليه السلام- (1-3)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

من الأمور الملفتة بالنسبة لنسخ التوراة الحالية (الأسفار الخمسة لموسى -عليه السلام-) أنه لم يرد فيها ذكر للبعث والحساب والجنة والنار؛ كما أن أسفار الأنبياء لم يرد فيها ذكر الآخرة إلا نادرًا، أكثرها ما ذكر في سفر دانيال وسفر تثنية الاشتراع. وجاء ذكر الجنة والنار بشكل مغلوط؛ إذ لا يوجد بها أكل أو شرب أو ماديات أخرى، وإنما هو نور الخالق هو الثواب، ويجلس الصالح بسكينة وعلى رأسه تاج. والجنة مأوى الأرواح الزكية، ولا يدخلها سوى اليهود، والجحيم مأوى الكفار حيث الظلام والعفونة والطين.

(والخلاصة: أن الاعتقاد اليهودي بأمور الآخرة من قيامة وحساب وجنة ونار كان عند ظهور المسيح -عليه السلام- غير واضح المعالم، وبعض الفرق كانت تنكره تمامًا كالصدوقيين، ولم يكن صريحًا وصحيحًا إلا عند الإسينيين فقط) (راجع كتاب: المسيح... لماذا؟، إعداد أحمد توفيق - ط. دار المحرر الأدبي - ط. أولى 2016 م، ص 32. وللاستزادة راجع: اليهودية واليهود، د. علي عبد الواحد وافي) .

موقف اليهود من المسيح -عليه السلام-:

وُلِد المسيح -عليه السلام- بمعجزة إلهية؛ إذ ولد بدون أب، وقد تولى الله -عز وجل- تسميته، قال -تعالى-: ( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) (آل عمران: 45) . ولما أنكر أهل مريم قدومها عليهم حاملة طفلها كلَّمهم هذا الطفل في المهد، فكان كلامه في المهد تبرئة منه لأمه؛ إذ أعلن أنه عبد الله -تعالى- ورسوله؛ قال -تعالى-: ( فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا . يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا . فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا . قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا . وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) (مريم: 27-33) .

وقد أيَّد الله -تعالى- المسيح -عليه السلام- بمعجزات باهرات لم يأتِ بمثلها أي رسول قبله بهذه الكثرة والإبهار، من شفاء للأمراض المستعصية كالبرص والعمى، ومن إحياء الموتى، ومن خلق الطير من الطين بعد النفخ فيه؛ قال -تعالى-: ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) (المائدة: 110) .

كما أنزل -تعالى- على المسيح -عليه السلام- مائدة من السماء بناءً على طلب الحواريين لتطمئن قلوبهم بها ويأكلوا منها، ويكونوا شهودًا عليها، ويتأكدوا بها من صدق دعوة المسيح. وهي المائدة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم في سورة المائدة. وهو ما ورد في العهد الجديد عند النصارى في أمر المائدة التي تجمع حولها المسيح -عليه السلام- مع الحواريين فيما يعرف عندهم بالعشاء الأخير، وإن زعم النصارى أن المسيح وزع في هذا العشاء على حواريه الخبز والنبيذ وباركه!

كان بين موسى وبين المسيح -عليهما السلام- قرابة 1500 سنة. وخلال هذه الفترة لم يطرأ أي تغيير على شريعة موسى -عليه السلام-، بل كان هناك أنبياء يتعاقبون على بني إسرائيل يسوسوهم ويطبقون شريعة موسى ويذكرونهم بها، ويصححوا ما يفعله اليهود من تلاعب في الشريعة أو تحريف. وحتى الزبور الذي أنزل على داود -عليه السلام- كان كتاب تعبد، ولم يكن فيه تشريعات.

ثم كان مجيء المسيح -عليه السلام- مكملًا ومتممًا لشريعة موسى برفع بعض الآصار التي كانت على بني إسرائيل رحمة بهم، ومقدمًا بعض الإضافات، كما قال -تعالى- على لسان عيسى -عليه السلام-: ( وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) (آل عمران: 50) ، فكان الإنجيل الذي أنزل على المسيح أول كتاب تشريعي بعد التوراة، وإن كانت تلك التشريعات الجديدة التي جاء بها ليست كثيرة.

تكذيب اليهود للمسيح -عليه السلام-:

كيف كان استقبال اليهود للمسيح -عليه السلام-؟ كان استقبالهم له امتدادًا لتمردهم من قبل على أنبيائهم، وعدم تحمل إرشادهم ووعظهم لهم، بل كانوا في معاداة المسيح عيسى -عليه السلام- أشد، لأن رسالة المسيح -عليه السلام- تضمنت أمورًا تصادم ما كان عليه القادة الدينيون لبني إسرائيل، ومن ذلك:

التأكيد على الإيمان باليوم الآخر:

الصفحة السابقة الصفحة التالية