شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

فصل الشتاء في القرآن الكريم (2-2)

الشيخ علاء بكر • التزكية

- وتعد الرياح مصدرًا للخير غالبًا بحملها السحب الممطرة، وتلطيفها الجو، وإذهابها للروائح الكريهة ونحوها، لكنها أيضًا قد تكون مدمرة تحمل في طياتها ما يضر ويكره، وحقيقة الأمر أن الرياح في هذا وفي ذلك مأمورة مسخرة؛ قال الله -تعالى- في شأن نعمه على نبيه سليمان -عليه السلام-: ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ) (ص: 36) ، بينما قال الله -تعالى- في شأن عقوبته -تعالى- لقوم عاد: ( فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا ) أي: لما رأوا العذاب متمثلًا في سحاب عظيم متجهًا نحو ديارهم ( مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) أي: قالوا هذا سحاب ننتظر بعده المطر ( بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ . تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ) (الأحقاف: 24-25) .

وقال الله -تعالى- في نصره -عز وجل- بالريح لنبيه -صلى الله عليه وسلم- وصحابته -رضي الله عنهم-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) (الأحزاب: 9) . والمعنى: فأرسلنا على هؤلاء الأعداء ريحًا شديدة شتت شملهم، كما أرسلنا عليهم جنودًا من الملائكة ألقوا في قلوبهم الرعب (انظر: التفسير الميسر) .

- لذا فقد ورد في السنة النبوية الشريفة النهي عن سب الريح، وبيان ما ينبغي أن يقوله العبد عند هبوب الريح: فعن أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلَا تَسُبُّوهَا وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

ومعنى ( تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ ): أي: تارة تكون رحمة إذا أتت بمطر في الجدب، أو هبت في وقت حر، ونحو ذلك. وتارة تكون عذابًا، بأن تهد البيوت الأبنية، وتثير الغبار، وتكسر الأشجار، وتفرق السحاب الذي يطمع أن يكون فيه المطر، ونحو ذلك.

قال ابن العثيمين -رحمه الله- في شرحه لرياض الصالحين: "هذه الريح التي خلقها الله -عز وجل- وصرفها تنقسم إلى قسمين: قسم: ريح عادية لا تخيف، فهذه لا يسن لها ذكر معين. وريح أخرى عاصفة، هذه تخيف؛ لأن عادًا عذبهم الله -تعالى- بالريح العقيم -والعياذ بالله-، فإذا عصفت الريح فإنه لا يجوز لك أن تسبها؛ لأن الريح إنما أرسلها الله -عز وجل-، فسبك إياها سب لله -تعالى-، ولكن قل كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ إِلَيْهِ ). وبهذا الدعاء يحصل لك خيرها، ويزول عنك شرها. ( أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الرِّيحِ )؛ لأن هذه الريح قد تكون عاصفة شديدة تقلع الأبواب وتجث الأشجار وتهدم الديار. ( وَخَيْرَ مَا فِيهَا ) ما فيها أي: ما تحمله من أمور قد تكون نافعة، وقد تكون ضارة. ( وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ )؛ لأنها تارة ترسل بالخير، وتارة ترسل بالشر، فتسأل الله خير ما أرسلت به. ( وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ إِلَيْهِ )، فإذا استعاذ الإنسان من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به، وسأل الله خيرها، وخير ما فيها وخير ما أرسلت به كفاه الله شرها).

وقال -رحمه الله-: "واعلم أنه لا يجوز للإنسان أن يتعلق بالريح في حصول المطر والغيث، والصحو، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا من جنس الاستسقاء بالأنواء الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-. كثير من الناس يعلق رجاءه بالريح الجنوبي، يقول: إذا هبت الجنوب حصل الغيث، وتجد قلبه متعلقًا بها، وهذا لا يجوز؛ لأنها قد تهب ريح الجنوب كثيرًا ولا تأتي أمطار ولا غيوم. وقد يكون بالعكس تأتي الأمطار والغيوم من الريح الشمالي. فالأمر كله بيد الله عز وجل، فعليك أن تعلق قلبك بربك تبارك و-تعالى-، وألا تسب ما خلقه الله من الرياح، واسأل الله خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، واستعذ بالله من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به، والله الموفق" (شرح ابن العثيمين لرياض الصالحين) .

- وهذا النهي عن سب الرياح يدخل فيه كونها آية من آيات الله -تعالى-: قال الله -تعالى-: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ) (الروم: 46) ، وقال -تعالى-: ( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) (الفرقان: 48) . وعن الشافعي -رحمه الله- قال: "لا ينبغي لأحدٍ أن يسب الرياح، فإنها خلق الله مطيع، وجند من أجناده، يجعلها رحمة ونقمة إذا شاء".

وفي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في شأن الريح: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ ) (متفق عليه) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية