فصل الشتاء في القرآن الكريم (2-2)
الشيخ علاء بكر • التزكية
- ومن الظواهر المرتبطة بفصل الشتاء أيضًا حدوث الرعد والبرق وما قد يصاحب ذلك من الصواعق: قال الله -تعالى-: ( وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ) أي: خوفًا من الصواعق، وطمعًا في نزول المطر ( وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (الروم: 24) .
وقال الله -تعالى- في سورة الرعد: ( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ . وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ) (الرعد: 12-13) .
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "يخبر -تعالى- بأنه هو الذي سخر البرق، وهو ما يرى من النور اللمع ساطعًا من خلال السحاب، ( وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ) أي: يخلقها منشأة جديدة، وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة من الأرض. قال مجاهد: السحاب الثقال الذي فيه الماء. وقوله: ( يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ) كقول الله -تعالى-: ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ). وقوله: ( وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ) أي: يرسلها نقمة بها ممن يشاء، ولها تكثر في آخر الزمان. ( وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ ) أي: يشكون في عظمته، وأنه لا إله إلا هو ( وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ).
قال ابن جرير -رحمه الله-: "شديدة مماحلته في عقوبة مَن طغى عليه وعتى وتمادى في كفره. وهذه الآية شبيهة بقوله -تعالى-: ( وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ) (النمل: 50-51) ، وعن علي -رضي الله عنه-: ( وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ) أي: شديد الأخذ. وقال مجاهد: شديد القوة.
وقال الله -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ) أي: يرسل سحابًا ويسوقه من جهة إلى أخرى بأناة ورفق ( ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ) أي: ثم يصل بعضه ببعض ( ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا ) أي: يجعل هذا السحاب متراكمًا بعضه على بعض ( فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ) أي: فترى المطر يخرج من فتوق هذا السحاب المتراكم ( وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ ) أي: من جهة السماء ( مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ ) أي: ما يشبه قطع الحصى الصغير ( فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ ) أي: يكاد ضوء برقه ( يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ ) (النور: 43) (انظر: التفسير الميسر) .
- وقد ضرب الله -تعالى- مثلًا لحال المنافقين بصورة لا تقع ولا تشاهد غالبًا إلا في فصل الشتاء الشديد: قال -تعالى-: ( أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ . يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ) أي: وقفوا وثبتوا في مكانهم متحيرين ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (البقرة: 19-20) (انظر: التفسير الميسر) .
- كما ضرب الله -تعالى- مثلًا لبطلان أعمال الكفار وضياع ما ينفقون هباء بصورة أيضًا لا تحدث وتشاهد غالبًا إلا في فصل الشتاء الشديد: قال الله -تعالى- فيهم: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ) أي: مثل ريح شديدة باردة نزلت بزرع فأهلكته ( وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (آل عمران: 116-117) .
ولا شك أن فصل الشتاء يعد موسمًا للازدياد من العبادات الفاضلة، فقيام الليل هو أفضل الصلاة بعد الفريضة، ومن خصائص فصل الشتاء طول الليل فيه؛ فتزداد فرصة الاستكثار من قيام الليل فيه.
- ومن أفضل العبادات صوم التطوع: فإن عبادة الصوم لا عدل ولا مساو لها، ومن خصائص فصل الشتاء قصر نهاره فيسهل على المرء صيام التطوع فيه؛ لذا فقد ورد عن السلف قولهم عن فصل الشتاء أنها غنيمة المؤمن، وأنه الغنيمة الباردة؛ أي: الغنيمة التي لا كثير تعب أو مشقة في نوالها والحصول عليها.
