شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الغارة الصوفية على الشيخ ابن باز -رحمه الله-.. دروس في التسامح الصوفي المزعوم!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ف يرفع الصوفية شعار التسامح في مقابل رميهم السلفيين بالتعصب لأقوالهم، وتكفير مخالفيهم، ويقدِّمون أمثلةً للتسامح تصل إلى حدِّ المداهنة في الدِّين مع الكافرين بدلاً من إعمال: ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) (الكافرون: 6) ، في معناها الذي نزلت فيه من البراءة من دينهم، وبيان أنه يخالف دين الإسلام كما هو ظاهر من سبب نزولها، ومن افتتاحها بقوله -تعالى-: ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) (الكافرون: 1) !

وبالطبع فإن القرآن كما أمرنا أن نعتقدَ صدق الإسلام وبطلان غيره كما قال -تعالى-: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران: 85) ، أمرنا أيضًا بالبرِّ والصلة معهم، فقال -تعالى-: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة: 8) .

ولكن القوم يتسامحون إلى حدِّ دفاع بعضهم عن الملل الأخرى مع كونهم يكذبون محمدًا -صلى الله عليه وسلم- جملة وتفصيلًا، أو -على الأقل- يكذبون فيما بلَّغه عن ربِّه أنه رسول للعالمين، كما قال -تعالى-: ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) (الفرقان: 1) ، فيقول أمثلُهم طريقة -إن وُجِد-: بل هو رسول للعرب خاصة !

وهذه الأقوال الباطلة لا يقول بها جميع الصوفية، ولكن يقولها بعض المتصدرين، ولا نكاد نجد إنكارًا عليهم، بل بعض المتصدرين يقولون في هذه المسألة -وفي غيرها- القول ونقيضه! وربما لو قمت ببحث على اليوتيوب عن حكم أهل الكتاب مثلًا، وكتبت اسم بعض المشاهير الذي يحاولون إيهام مَن يسمعهم بالحكم بإيمان هؤلاء؛ ستفاجأ بأنه قال في موطن آخر غير هذا الكلام!

إذًا فنحن أمام غلو فاحش في التسامح، بلغ أقصى درجات التهاون والمداهنة بالحكم بإيمان مَن يكذِّبون النبي -صلى الله عليه وسلم -.

ومع هذا، فنفس هؤلاء "المتسامحين" يضيقون ذرعًا بمن لا يشاركهم توزيع "الشربات والحلوى" في يوم 12 ربيع الأول من كل عام مُتَّهمًا إياهم بكراهية النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع أن هؤلاء الممتنعين عن توزيع الشربات يوم 12 ربيع الأول، أو تخصيصه بأي عادة أو عبادة، يقولون: إن الثابت المشروع عندهم إحياء ذكرى المولد الأسبوعي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصيام يوم الاثنين، وهو ما يقارب خمسين يومًا في العام وليس يومًا واحدًا، ولكن الصوفية يعرضون عن ذلك مصرين على أن الرافضين للاحتفال -على طريقتهم- لا يحبون النبي -صلى الله عليه وسلم-!

مع أن جزءًا كبيرًا من مجالس الصوفية عبارة عن إنشاد أشعار يصاحبها في الغالب موسيقى حتى أدخلوا الآلات الموسيقية في المساجد، بينما مجالس خصومهم تكون إما تدريسًا للقرآن، أو لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم -.

ولست أريد هنا أن أعقد موازنة بين مظاهر تعظيم أهل السنة لها ومظاهر انحراف الصوفية عنها، وبالطبع فقد يكون الرجل الواحد مشتغلًا بعلوم نافعة من قرآن أو تفسير أو حديث أو فقه، وهو في ذات الوقت منخرط في نشاط صوفي، فيكون فيه خير وشر، ولكن يكاد يكون الخير الذي عنده غير مستفاد من طريق الصوفية أو مستفاد من سيرة العُبَّاد الأوائل الذين يردد الصوفية سيرتهم ثم يلبسونها الكثير من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان .

ولكن أريد هنا أن أناقش حيثية "التسامح الصوفي المُدَّعى!":

ولنضرب على ذلك مثالًا بكتاب: "الكواشف الجلية في الرد على الوهابية"، وهو كتاب حظي للأسف بتقريظ الكثير من الرموز، بينما مؤلفه ينقل عن خصوم محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- رميهم إياه بتكفير المسلمين، ثم يقرِّر أنه قرأ له كلامًا يتبرأ فيه من تكفير عوام المسلمين، ومع هذا فهو يرى إثبات التهمة بكلام خصومه الذي نفاه عن نفسه !

ولنترك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- (والذي ربما تضرر من كلام خصومه عنه ثم من بعض فتاوى غير منضبطة قالها بعده علماء دعوته فنُسِبَت إليه )، ولنأتِ إلى الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى-، وهو رجل شغل موقع مفتي المملكة العربية السعودية وقتًا طويلًا شارك فيها في اجتماعات كثيرة للمحافل والمجامع التي تضم ممثلين عن العالم الإسلامي كله، وجلس مع الصوفي والأشعري، ولم ينقل أحدٌ عنه إلا حُسْن الخلق وطيب المعشر والبشاشة عند اللقاء والحرص على التعاون الإسلامي، وهذا كله لم يمنعه أن يدوِّن في كتبه ما يدين لله به من عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات في الألوهية وفي محاربة الغلو في الصالحين .

إذًا فهو رجل متسامح التسامح المنضبط؛ متسامح في التعامل، ناصح في المنهج ، ومع هذا فوجئنا بحملة على الإنترنت تنال من الرجل وتكاد تحكم بخروجه من الملة -إن لم تكن فعلت-، فحينما تصف أحدًا بأنه اعترض على كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- وتعلل هذا بغلظته وجفاوته مما يؤكد إثباتك للتهمة، وأنها متعمدة وتساويه بمن قال: "اعدل يا محمد"؛ فلم يبقَ إذًا بينك وبين تكفيره بعد هذا الوصف شيء !

فتعالَ معي لننظر بما كفَّر هؤلاء أو كادوا الشيخ ابن باز -رحمه الله-:

وَقَف بعضهم على كلام للشيخ ابن باز في توجيه قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث خباب بن الأرت -رضي الله عنه-: ( وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ) (رواه البخاري) ، وقد استشكل الشيخ -رحمه الله- العطف بالواو هنا مع ورود النهي عنه في حديث: ( لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

الصفحة التالية