شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الغارة الصوفية على الشيخ ابن باز -رحمه الله-.. دروس في التسامح الصوفي المزعوم!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

وهذا في كتاب (الحلل الإبريزية من التعليقات البازية على صحيح البخاري، الجزء الرابع، ص 351 ) في التعليق على باب (من اختار القتل والضرب والهوان على الكفر)، وفيه حديث خباب -رضي الله عنه-، وهذا الكتاب لم يكتبه الشيخ -رحمه الله-، فقد كان -رحمه الله- فاقد البصر -كما هو معلوم-، ولا حتى أملاه على أنه كتاب، بل هي تعليقات قالها في أحد دروسه وسُجِّلت ثم فرَّغها أحد الطلبة وأخرجها في كتاب، وهاهنا سنجد أن جامع الكتاب قد ذكر تعليقين على الكتاب؛ أما الأول: فقد وضع رقم (1) على الحديث ليشير إلى وجود تعليق للشيخ عليه، وهو إنما يذكر التعليقات في الهامش، وكان نص هذا التعليق كالتالي : (1) هل تكون من باب ما شاء الله وشئت؟ يحتمل فيكون هذا قبل؛ لأنهم كانوا بمكة كما هنا، فكانوا يقولون: ما شاء الله وشاء فلان... ثم نُهوا عن هذا، فيكون بعد النهي، يكون منسوخًا .

ثم تعليق آخر مسبوق بنجمة هكذا: * ينبغي أن يقول: إلا الله ثم الذئب على غنمه .

إذًا فنحن أمام رمز خاص بجامع الكتاب، كان يجب أن يُسأل: لماذا ميز بعض التعليقات برقم وبعضها بنجمة، والعجيب أن جامع الكتاب قد نصَّ على الفرق بين التعليقات المرقمة والمسبوقة بنجمة في مقدمة كتابه، ولكن الراغب في الطعن لم يلتفت إلى بيانه، فقد قال جامع الكتاب في مقدمته : " كل ما في الحاشية من كلام شيخنا إلا ما صدرته بقولي: قلتُ، فمن كلامي. وما كان مصدرًا بنجمة فهو من كلامه أفردته بذلك؛ لأنه ليس على صلب المتن ".

فيتضح من هذا: أن الجملة الثانية لم تكن متصلة بالأولى، ولا كانت تعليقًا على الحديث، ولكن واضح جدًّا من السياق أنها كانت إجابة سؤال، أو نحو عن هذا، عن ماذا لو أراد أحد أن يعبر عن معنى كهذا بعد استقرار التشريع على منع العطف بالواو كما رجح الشيخ، فكان الجواب: (ينبغي أن يقول إلا الله ثم الذئب على غنمه) .

ولكن الطاعن لم يرَ في هذا إلا اعتراضًا صريحًا على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال : " ولا يعلم هذا إلا (استدراكًا) و(اعتراضًا) على قوله -صلى الله عليه وسلم-، كما اعترض من قبل (ذو الخويصرة) على قسمته -صلى الله عليه وسلم-، وقول هذا من قول ذاك. ونسل هذا من ضئضئ ذاك !".

وطارت حسابات منتسبين إلى التصوف والأشعرية بهذا الكلام فَرَحًا به؛ حتى إن رمزًا منهم، أو قريبًا منهم -ولعله يحمل للشيخ ابن باز بعض الجميل- وهو: الدكتور "حاتم العوني" كتب منشورًا يدافع فيه عن الشيخ ابن باز، وأنه لا يُتصور أن يكون قد قصد بكلامه الاعتراض على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فامتلأت صفحته اعتراضًا عليه، ومجادلة لإثبات تلك التهمة الشنيعة على ابن باز -رحمه الله تعالى- .

ولتوضيح كلام ابن باز -رحمه الله - نقول: إن ما فعله ابن باز هو صنيع كل أهل العلم بصفة عامة، فهم مجمعون على أن نصوص الكتاب والسنة لا يمكن أن تتعارض تعارضًا حقيقيًّا، وإذا تصورنا تعارضًا بين نصين، فهم يسلكون مسالك في الجمع أو الترجيح مقرَّرة في علم الأصول .

وقد وجد الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى- أن هناك حديثًا ينهى عن العطف على الله بالواو، وهذا آخر يستعمل هذا العطف، والذي يستعمله معلوم مِن سبب وروده أنه في مكة ، وسد الذرائع التي تؤدي إلى الشرك شُرِعت شيئًا فشيئًا، فقد كان في شرع من قبلنا يوجد سجود تحية ونسخ في شريعتنا، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينهَ عنه تأليفًا لقلوبهم ثم انتهى الأمر به إلى الحرص على مخالفتهم، وقال: ( مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، وبالغ في تطبيق هذا في فروع كثيرة حتى عَلَّق خيرية الدِّين عليها، فقال ( لَا يَزَالُ الدِّينُ ظاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وعلم هذا المسلمون، بل واليهود أيضًا حتى قالوا: "ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه ".

وبصفة عامة فإن أحد مسالك الترجيح عند العلماء قولهم "الحاظر مقدَّم على المبيح" فيحملون النص المبيح على أنه كان في أول الأمر ثم جاء الحاظر، ومِن ثَمَّ يكون استقرار التشريع عندهم على الحاظر ، وهذا توجيه حسن وفيه تعظيم للشريعة (وإن كنا لا نوافق العلامة ابن باز عليه -كما سنبيِّن-) .

وإنما يُقَال على فلانٍ: إنه معترض على الشريعة، لو عارضها بغيرها، وأما التوفيق بين نصوصها لما يبدو للوهلة الأولى من ثمة تعارض بينها؛ فهو الواجب الذي يقوم به عامة أهل العلم .

ومن أمثلته القريبة من المثال الذي معنا: أنه ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: ( أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ) (رواه مسلم) ، وهذا يبدو للوهلة الأولى معارضًا لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وقد جمع بينهما كثيرٌ من أهل العلم بأن قوله: ( أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ) صيغته الحلف، والمراد به التنبيه؛ مثل ما ورد من قوله -عليه السلام-: ( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ) فإن صيغتها دعاء، وتستعملها العرب للتنبيه .

الصفحة السابقة الصفحة التالية