صور من التدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينية (1-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتستند الولايات المتحدة في سياساتها مع دول أمريكا اللاتينية على مبدأ مونرو الذي أعلنه الرئيس الأمريكي "جيمس مونرو" في عام 1823، والذي وضع لتبرير تدخلها في دول أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية غير المساندة لسياسات الولايات المتحدة تحت ذريعة رعاية الأمن القومي أو منع خطر انتشار الشيوعية.
وقد استغل الرئيس الأمريكي "روزفلت" مبدأ "مونرو" لتبرير تدخل الولايات المتحدة في شؤون جمهورية الدومنيكان، وفي فنزويلا، وأثناء نزع بنما من كولومبيا، كما اعتمد رؤساء أمريكا اللاحقون على هذا المبدأ في ممارسة أنشطة واشنطن التوسعية في أمريكا الوسطى والجنوبية. وفي النصف الثاني من القرن العشرين استغلت الولايات المتحدة الخطر الشيوعي لتطبيق مبدأ مونرو على مدى أوسع ليشمل دولًا أخرى حول العالم مثل فيتنام.
في الولايات المتحدة يُطلق مجازًا تعبير "منظومة الشركة الأمريكية" على المنظومة المشتركة للشركات الأمريكية الكبرى، والتي تشكل عصب اقتصاد الولايات المتحدة وقاعدتها الرئيسية لبناء مجتمع الرفاهية حسب المفاهيم التي أصلتها النخبة في وجدان الشعب الأمريكي على امتداد قرنين من الزمان؛ مما جعل من الصعب الفصل بين أهداف هذه المنظومة ومجريات الأمور في الولايات المتحدة، حيث بسطت المؤسسة الاقتصادية الأمريكية نفوذها على باقي المؤسسات الأخرى السياسية والعسكرية والإعلامية والمخابراتية. ويشهد التاريخ الحديث على مدى تعبير سياسات الولايات المتحدة عن مصالح أولئك الذين يتحكمون في الدولة؛ خاصة في دول أمريكا اللاتينية، كالانقلاب ضد سلفادور أليندي في شيلي في السبعينيات، ومحاولة قلب نظام حكم شافيز في فنزويلا.
وكلها دلالات قوية لمن يتابع الأحداث الدولية على أن المصالح الخاصة لتلك الشركات هي بمثابة المصلحة العامة للولايات المتحدة؛ مما جعل العمل السياسي ينحسر في التفاعل المستمر مع مجموعات المصالح الاقتصادية التي تنافس للسيطرة على الدولة، وتحول معها النظام السياسي الأمريكي إلى نظام لحزب واحد ينقسم إلى جناحين: (جمهوري) و(ديمقراطي)، يسيطر على كليهما مجموعات متغيرة من قطاع الأعمال، ويشتركان في التوجهات الرئيسية للأيديولوجيا الأمريكية.
وتتقن منظومة الشركات الأمريكية استخدام المنظمات الدولية لخلق أوضاع تخضع الأمم الأخرى لاحتكار تلك الشركات الكبيرة وحكوماتها وبنوكها لتتحول إلى إمبراطورية كبرى تحكم العالم، من خلال تقديم خدمات اقتصادية كمنح القروض لتنمية البنية التحتية، وبناء محطات التوليد، ومد طرق رئيسية، وإنشاء موانئ ومطارات ومناطق صناعية، وتكون هذه القروض مشروطة بأن تتولى إدارة هذه المشروعات شركات إنشائية وهندسية أمريكية، بما يضمن ألا يخرج القدر الأكبر من أموال القروض من الولايات المتحدة، بل تنتقل من البنوك في واشنطن إلى الشركات الهندسية في نيويورك أو سان فرانسيسكو، أو غيرها.
وبالطبع تقوم تلك الدول التي حصلت على تلك القروض برد أقساط هذه القروض مضافًا إليها فوائدها، وكلما كانت تلك القروض كبيرة ازداد عجز الدول المقترضة عن سداد ما عليها من الديون خلال سنوات قليلة، فتقع تحت طائلة السيطرة والتوجيه من تلك الدول من خلال تصويتها في الأمم المتحدة، أو في السماح بإنشاء قواعد عسكرية على أراضيها، أو الهيمنة على مواردها وثرواتها خاصة البترولية، ومع استمرار ثقل الديون على تلك الدول تضاف تلك الدول إلى إمبراطورية الولايات المتحدة الكبرى.
ومن أمثلة التدخل الأمريكي في شؤون دول أمريكا اللاتينية:
التدخل في جمهورية بنما:
تقع بنما في أقصى جنوب أمريكا الوسطى، يحدها البحر الكاريبي من الشمال والمحيط الهادئ من الجنوب، وكوستاريكا من الغرب، وكولومبيا من الجنوب الشرقي. وهي برزخ ضيق يربط بين قارتي أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وأهم ما يميزها هو وجود قناة بنما داخل أراضيها، وقناة بنما ممر مائي اصطناعي يربط بين المحيط الهادئ والبحر الكاريبي تم الانتهاء من شقه في عام 1914.
يبلغ عدد سكان بنما نحو 4.5 مليون نسمة، وتبلغ مساحتها نحو 75.5 ألف كيلومتر مربع.
كانت بنما جزءًا من كولومبيا عندما قرَّر المهندس الفرنسي فرديناند دي ليسيبس -الذي أشرف من قبل على بناء قناة السويس- بناء قناة تربط بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ عبر برزخ أمريكا الوسطى، وذلك بداية من عام 1881، ولكن رغم كل جهود الفرنسيين لتنفيذ هذا المشروع لم يتم تنفيذه.
ومع بداية القرن العشرين طالبت الولايات المتحدة كولومبيا بتوقيع معاهدة لوضع البرزخ تحت إشراف اتحاد شركات أمريكا الشمالية، لكن كولومبيا رفضت.
في عام 1903 أرسل الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت أسطولًا حربيًّا إلى هناك، حيث قبض جنود الأسطول على قادة الميليشيا المحلية، وأعلنوا بنما دولة مستقلة. ونصبوا حكومة شكلية (صورية) عميلة، وتم التوقيع على معاهدة القناة الأولى. وبها أعطت أمريكا لنفسها حق التواجد والتدخل العسكري، وأصبح لواشنطن السيطرة الفعلية على تلك الدولة الحديثة، والتي يقال عنها: إنها دولة مستقلة، وهكذا أجبرت بنما على الانفصال عن كولومبيا لخدمة الولايات المتحدة.
وقد ظلت بنما ما يزيد عن نصف قرن تحكمها أقلية من العائلات الثرية التي تربطها بواشنطن علاقات وثيقة، كما تدخلت القوات العسكرية الأمريكية لعدة عقود في الشؤون الداخلية لبنما في مرات عديدة. وقد سيطرت الولايات المتحدة على قناة بنما والمنطقة المحيطة بها وقامت بإدارتها قرابة 85 عامًا.
وفي عام 1968 وبعد انقلاب تولى عمر توريخوس الحكم في بنما -وكان توريخوس يتمتع بتقدير من الطبقة المتوسطة واحترام الطبقات الفقيرة من الشعب في بنما- كان توريخوس يؤمن بالإصلاح الاجتماعي ومساعدة الفقراء، لكنه لم يؤيد الشيوعية، وفي عهده لم تعد بنما دمية في يد واشنطن أو غيرها، وقد قدمت دولته الصغيرة نموذجًا جيدًا للإصلاح الاجتماعي.
