شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

صور من التدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينية (1-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وقد حاول رجال القبائل وجيرانهم الوقوف أمام شركات البترول الأمريكية لمنعها من تدمير منازلهم وقراهم وأراضيهم. وكانت شركة تكساكو قد اكتشفت في أواخر الستينيات وجود البترول في منطقة الأمازون في الإكوادور، وقد مُدَّت الأنابيب لنقل البترول عبر جبال الأنديز في الإكوادور لمسافة ثلاثمائة ميل؛ مما ترتب عليه اختفاء مساحات كبيرة من الغابات المطيرة وكادت الفهود والببغاوات أن تنقرض، وأوشكت الحضارات المحلية على الاندثار، مما دفع سكان تلك المناطق إلى محاولة التصدي لهذا التعدي، كما أُلقيت في الأنهار وفي حفر في الأرض ملايين الغالونات من النفايات البترولية والمعادن الثقيلة ومخلفات الحيوانية القشرية، وتركت هذه الشركة وراءها 350 حفرة مكشوفة من المخلفات.

وقد أصبح البترول الخام يمثل ما يقرب من نصف صادرات الإكوادور التي يبلغ عدد سكانها حوالي 18 مليون نسمة. ولا يزال القضاء على الفقر فيها يمثل تحديًا كبيرًا، ففي منتصف عام 2023 كان حوالي 27% من السكان يعيشون تحت خط الفقر (أقل من 90 دولارًا في الشهر)، بينما يعيش نحو 11% في فقر مدقع (أقل من 50 دولار شهريًّا).

وتعد الإكوادور نموذجًا للبلاد التي أدخلها قراصنة الاقتصاد إلى حظيرة الاقتصاد السياسي، فمن بين كل مائة دولار من عائد البترول الخام المأخوذة من الغابات تتحصل شركات البترول على 75 دولارًا، أما الـ25 دولارًا الباقية فتذهب ثلاثة أرباعها لسداد الديون الخارجية، ومعظم ما يتبقى يذهب لتغطية شؤون الجيش وغيره من النفقات الحكومية، ويتبقى دولاران ونصف الدولار فقط لنفقات الصحة والتعليم والبرامج التي تهدف لمساعدة الفقراء. وهكذا فمن كل 100 دولار من ثمن البترول المستخرج من الأمازون لا ينال المواطنون المحتاجون منها إلا أقل من ثلاثة دولارات.

هؤلاء المواطنون الذين تؤثر السدود والأنفاق وخطوط الأنابيب على حياتهم بشدة، والذين يموتون نتيجة نقص الطعام والماء الصالح للشرب. (ينظر: الاغتيال الاقتصادي للأمم: اعترافات قرصان اقتصادي، تأليف جون بيركنز، ص 27) .

ولكن كيف تم ذلك؟

لقد أغرقت الإكوادور في الديون الخارجية بسبب المشاريع الاقتصادية التي قامت بها لما بدأ الاستغلال الفعلي للبترول في حوض الأمازون الإكوادوري في أواخر الستينيات من القرن العشرين، وأسفر عن فتح شهية الاستهلاك التي جعلت العائلات الحاكمة في الإكوادور تأخذ البلاد إلى براثن البنوك الدولية، فقد أثقلوا كاهل دولتهم بكم كبير من الديون على وعد بالدفع من خلال عائدات البترول. انتشرت الطرق والمنشآت الصناعية، إلى السدود المقامة عليها محطات توليد الكهرباء وأنظمة النقل وتوزيع الكهرباء، وأُنشئت مشروعات قوية أخرى في أرجاء الدولة مرة أخرى أثرى ذلك النظام المكاتب الهندسية الدولية وشركات البناء والتعمير. (راجع المصدر السابق، ص 165) .

وأصبح عليها أن ترصد جزءًا كبيرًا من ميزانيتها لتسديد هذه الديون بدلًا من استخدامها لمساعدة الملايين من مواطنيها المصنفين تحت خط الفقر المدقع. والطريقة الوحيدة التي تستطيع بها الإكوادور سداد هذه الديون الخارجية التي تكبلها هي أن تبيع غاباتها لشركات البترول. (المصدر السابق: 26).

ظهور خايمي رولدوس:

كان رولدوس أستاذًا جامعيًّا ومحاميًا، يمتلك شخصية قيادية قوية، استطاع أن يرسخ سمعته قائدًا شعبيًّا ووطنيًّا، بدأ حملته الانتخابية عام 1978 ولفت إليه الأنظار، كان يتطلع إلى استغلال أكبر ثروات البلاد الطبيعية وهي البترول بما يعود بالنفع على أكبر عدد من السكان، وكان يؤمن بواجب الدولة في مساعدة الفقراء والمحرومين، وعبَّر بوضوح عن آماله بأن يجعل من سياساته البترولية وسيلة للإصلاح الاجتماعي، وقد أقنعت سياسته البترولية شعب الإكوادور لاختياره لكرسي الحكم.

وتولى بالفعل حكم البلاد في العاشر من أغسطس عام 1979، فكان أول رئيس منتخب بعد زمن طويل من حكم الديكتاتوريين، فانصرف إلى محاربة استغلال شركات ذات نفوذ وسطوة لبترول بلاده، وتنبأ الكثيرون أن واشنطن وأصحاب المصالح الاقتصادية الضخمة لن يسمحوا له بما يتطلع إليه.

لم يكن رولدوس شيوعيًّا ولم يتحالف مع روسيا أو الصين ولا مع حركة الاشتراكية العالمية، لم يكن ضد الولايات المتحدة ولكنه كان وطنيًّا وقائدًا شعبيًّا يفكر في مصلحة بلاده، ويقف إلى جانب حقوق شعبه في تقرير مصيره، ويرفض أن تكون حكومته متواطئة مع الشركات الضخمة والبنوك الدولية ضد مصالح بلاده.

في بدايات عام 1981 قدَّم رولدوس قانون الهيدروكربون الجديد إلى مجلس تشريع الإكوادور، وهو قانون منظم لاستكشاف وبيع البترول ومشتقاته والغاز الطبيعي، والذي يهدف إلى إعادة تشكيل علاقة الدولة بشركات البترول، وتغيير الأسلوب الذي يُدار به العمل، مما أدى إلى تعرض رولدوس إلى حملة من شركات البترول واللوبي المناصر لهم في كيتو وفي واشنطن لتشويه سمعته، ولكن رولدوس لم يتراجع، وعليه صدرت التشريعات التي أملاها على المجلس التشريعي. وبعد إلقاء خطاب له وتوجهه إلى قرية صغيرة في جنوب الإكوادور لقي رولدوس مصرعه في حادث تحطم طائرة مروع في الرابع والعشرين من مايو 1981، وأعلنت الصحف في دول أمريكا اللاتينية صراحة اغتيال رولدوس على يد المخابرات الأمريكية وسط شكوك كثيرة تدعم هذا الزعم.

وقد صرَّح شهود بأن رولدوس سبق وتلقى تهديدات بقتله؛ لذا اتخذ الاحتياطات الأمنية، ومنها كان السفر على طائرتين هليكوبتر، ويوم الحادث واللحظة الأخيرة استقل الطائرة التي شهدت مصرعه، ويُعتقد أنها كانت مفخخة. (راجع في ذلك المصدر السابق، ص 178).

قال جون بيركنز في اعترافاته: (فليس لدي أدنى شك في أن قتل رولدوس لم يكن حادثًا، فكل دلائل الحادث تؤكد أنها عملية اغتيال رتبت لها رجال المخابرات الأمريكية "سي آي إيه". في رأيي أن تنفيذ العملية جاء بهذه الفجاجة والوضوح لتكون رسالة تهديد. فلكي تستكمل إدارة ريغان الجديدة صورة راعي البقر في أفلام هوليوود بسرعته المعهودة في سحب سلاحه، كانت تلك الفجاجة هي الوسيلة المثلى لبعث مثل هذه الرسالة، إنها تعد إنذارًا بعودة ثعالب المخابرات) (ينظر: المصدر السابق، ص 181) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية