شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (10) اسم الله (الحليم) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- التعرف على الله -تعالى- أجل أنواع المعرفة، والتعبد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (متفق عليه) .

- ورد اسمه الله سبحانه (الحليم) في القرآن الكريم لفظًا إحدى عشرة مرة، وورد معناه في مواضع كثيرة، من أقواها دلالة: قوله -تعالى-: ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ) (فاطر: 45) .

مدخل وعظي لإثارة النفوس للتعرف على هذا الاسم الجليل "الحليم":

(إشارة مختصرة إلى أحداث غزة 2023-2024م)، وما فعله يهود -لعنة الله عليهم- بأهل غزة المسلمين بكل وحشية وقسوة، والله -سبحانه- لا يعاجلهم بالعقاب، بل هو يرزقهم، ويعطيهم وجودهم ذاته قبل أن يعطيهم أي شيء؟!

- ذلك لأنه "الحليم" الذي لا يعجل بالعقوبة للعاصين والفاجرين، لحِكَم ستظهر قريبًا: قال -تعالى-: ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ) (النحل: 61) .

- دلالة معنى اسم " الحليم " في حق الله -تعالى-: قال السعدي -رحمه الله-: (الحليم الذي يدر على خلقه النعم الظاهرة والباطنة، مع معاصيهم وكثرة زلاتهم، فيحلم عن مقابلة العاصين بعصيانهم، ويستعتبهم كي يتوبوا، ويمهلهم كي ينيبوا" (تفسير السعدي) (1) .

الوقفة الأولى: (مجمل صور حلمه):

- وذلك من خلال معنيين عظيمين، يندرج تحتهما ما لا يحصى من صور حلمه -تعالى-.

المعنى الأول: حلمه عن مقابلة العاصين بالعقوبة:

- فيحلم عن مقابلة العاصين بعصيانهم، فلا يعاقبهم على الفور، بل يستعتبهم كي يتوبوا، ويمهلهم كي ينيبوا: قال -تعالى-: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (الزمر: 53) ، وقال -تعالى-: ( أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (المائدة: 74) ، وقال -تعالى-: ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ) (الأنفال: 38) (2) .

- انظروا إلى حلمه -سبحانه -بأصحاب الأخدود وغيرهم من الفاجرين في كل زمان.. أوقدوا النار العظيمة فألقوا فيها أولياءه.. ومع هذا كله دعاهم للتوبة: قال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ) (البروج: 10) قال الحسن البصري -رحمه الله-: "انظروا إلى هذا الكرم والجود! قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة!" (تفسير ابن كثير) .

المعنى الثاني: حلمه بعدم الاستجابة لاستعجال عباده بإنزال العقوبة:

وذلك من خلال صورتين:

الأولى: من قِبَل المؤمنين في استعجالهم الفتح بينهم وبين القوم الكافرين: (وقعة أحد، ودعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- على المشركين بالهلاك)، ونزول قوله -تعالى-: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) (آل عمران: 128) .

الثانية: من قبل الكافرين الذين يستعجلون نزول العذاب استهزاءً واستخفافًا: قال -تعالى-: ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) (الحج: 47) ، وقال -تعالى-: ( وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ) (ص: 16) ، وقال -تعالى-: ( وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (الأنفال: 32) .

- ومع ذلك فالله -عز وجل- يحلم عنهم ويتأنى بهم، فتبارك الله العظيم "الحليم": ( وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ) (يونس: 11) .

الوقفة الثانية: (من آثار الإيمان باسم الله الحليم):

أولًا: زيادة محبة الله -عز وجل- والحياء منه:

- لما كان حلمه العظيم اقتضى كل هذا الصبر على عباده العصاة (وهو القادر القاهر)، وعدم الاستعجال في عقوبتهم (وهم الضعفاء المقهورين) لعلهم يستعتبون ويتوبون، أورث ذلك في قلوب العقلاء، زيادة الإيمان، وعظيم المحبة والحياء من هذا الرب الرحيم الحليم القوي القادر العظيم؛ قال -تعالى-: ( وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ ) (الكهف: 58) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ ) (متفق عليه) .

ثانيًا: عدم اليأس من رحمة الله -تعالى-:

- وذلك بالمبادرة إلى التوبة والإنابة عن الذنوب مهما عظمت؛ لأنه سبحانه ما أخَّر العقوبة على الذنب إلا للإنابة والتوبة: قال -تعالى-: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (الزمر: 53) ، وقال -تعالى-: ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) (الشورى: 25) . (إشارة إلى قصة الشيخ الهرم التائب) (3) .

ثالثًا: الحذر من غضبه -سبحانه-:

الصفحة التالية