شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (10) اسم الله (الحليم) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- هو سبحانه مع حلمه الواسع بالعاصين، وإمهاله لهم ليتوبوا؛ إلا أنه لا يهملهم إذا أصروا، واستمروا في طغيانهم، فيغضب عليهم: ( وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) (النحل: 61) ، وإذا غضب -تعالى- لم يقف لغضبه شيء: قال -تعالى-: ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) (هود: 102) ، وقال -تعالى-: ( فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ) (الزخرف: 55) .

وقال عمر بن ذر -رحمه الله-: "يا أهل المعاصي، لا تغتروا بطول حلم الله عنكم، واحذروا أسفه -غضبه-؛ فإنه قال: ( فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ )" (تفسير البغوي) .

وقال -تعالى-: ( فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (العنكبوت: 40) .

- وأشد غضبه عليهم أن يؤخرهم بالعقوبة، لتكون عاقبة السوء في الآخرة: قال -تعالى-: ( وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ) (إبراهيم: 42) وقال: ( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (آل عمران: 178) ، وقال -تعالى-: ( لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ . مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) (آل عمران: 196-197) ، وقال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ . وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) (الأعراف: 182-183) .

خاتمة: سبحانك ما أحلمك!

- يوشك أن تزول السماوات والأرض، ولا تستقر من كثرة معاصي العباد، لولا حلمه -سبحانه -ومغفرته: قال الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) (فاطر: 41) .

- تأمل دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- باسمه "الحليم" عند شدة الأمر والكرب والمحنة مقرونًا بصفات العظمة والقوة، تعرف الحكمة: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول عند الكرب: ( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) (متفق عليه) .

فاللهم يا حليم يا غفور، اغفر لنا واعفُ عنا، ولا تؤاخذنا بما يفعل السفهاء منا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال السعدي -رحمه الله- في موطن آخر: "الحليم الذي له الحلم الكامل، والذي وسع حلمه أهل الكفر، والفسوق والعصيان، ومنع عقوبته أن تحل بأهل الظلم عاجلًا، فهو يمهلهم ليتوبوا، ولا يهملهم إذا أصروا، واستمروا في طغيانهم، ولم ينيبوا... والله -تعالى- حليم عفو، فله الحلم الكامل، وله العفو الشامل، ومتعلق هذين الوصفين العظيمين معصية العاصين، وظلم المجرمين، فإن الذنوب تقتضي ترتب آثارها عليهما من العقوبات العاجلة المتنوعة. وحلمه -تعالى- يقتضي إمهال العاصين، وعدم معاجلتهم، ليتوبوا، وعفوه يقتضي مغفرة ما صدر منهم من الذنوب خصوصًا إذا أتوا بأسباب المغفرة من الاستغفار، والتوبة، والإيمان، والأعمال الصالحة، وحلمه وسع السماوات، والأرض، فلولا عفوه ما ترك على ظهرها من دابة، وهو -تعالى- عفو يحب العفو عن عباده، ويحب منهم أن يسعوا بالأسباب التي ينالون بها عفوه من السعي في مرضاته، والإحسان إلى خلقه" (الحق الواضح المبين) .

(2) يحسن الإشارة إلى بعض صور حلمه -تعالى- بالكفار والعصاة، بما يفعلون ويكررون في كل ساعة (دور العبادات الشركية التي يتعبد فيها مَن ينسبون لله الولد - التعبد عند الأضرحة والقبور وسؤال الأموات الحاجات وتفريج الكربات - المقاهي والملاهي والشواطئ، وأماكن اللهو والفجور والفسق العلني التي تعج بالرواد ـ و..).

(3) عن شَطَب المَمْدُود -رضي الله عنه- قال: جَاءَ شَيْخٌ كَبِيرٌ هَرِمٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ مَنْ عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةً إِلَّا أَتَاهَا؛ فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ تَوْبَةٍ؟! قَالَ: ( فَهَلْ أَسْلَمْتَ ) قَالَ: "أَمَّا أَنَا، فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ"، قَالَ ( تَفْعَلُ الْخَيْرَاتِ وَتَتْرُكُ السَّيِّئَاتِ فَيَجْعَلُهُنَّ اللَّهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهُنَّ )، قَالَ: "وَغَدَرَاتِي وَفَجَرَاتِي؟!"، قَالَ: ( نَعَمْ ). قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ حَتَّى تَوَارَى. (رواه الطبراني، وصححه الألباني) .

الصفحة السابقة