منهاج المسلم في مواجهة الابتلاءات والمحن (1-2)
الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين
وفي ذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ) (رواه مسلم) .
ومن هنا يحتاج الإنسان في كل مكان وزمان إلى تصحيح مفاهيمه عن المحن والشدائد التي يتعرض لها، وإعداد نفسه إعدادًا نفسيًّا لمواجهتها بالحقائق الواجب معرفتها، والتعامل مع المحن والشدائد بمقتضاها، ومن ثم تبني رؤية إيجابية مبنية على إدراك أن لله -تعالى- حكمة بالغة في أفعاله، وأن له سنته عز وجل في الابتلاءات، مما يعود بالمصلحة الدنيوية على العبد في أموره الدنيوية والفوز بجنة الله -تعالى- في الآخرة.
(أضف إلى ما تقدم حقيقة أن الإنسان لا يمكن أن يشعر بالسعادة إلا بعد معاناة الشقاء، ولا يمكن أن يشعر بالراحة والطمأنينة إلا بعد التعب والمكابدة، ولا يمكن أن يشعر بالصحة والعافية إلا بعد معاناة المرض وآلامه، وهكذا لا تُعرف قيمة الأشياء إلا بأضدادها. ونحن -البشر- لا نحس أو نقدر نعم الله -تعالى- علينا إلا إذا ابتلينا بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، فما الشقاء والتعب والمرض وغيره من الابتلاءات إلا نعمة لمن يتقبلها ويصبر عليها، وهي نقمة لمن يسخط منها ولا يصبر عليها. فالقضية أو المشكلة ليست في الابتلاء ذاته الذي هو قدر الله، وإنما هو موقفنا منه، وهو ما نملكه باختيارنا مدركين حكمته -تعالى- من حتمية الابتلاء والاختبار، وحتمية التعامل معه بالأسلوب الصحيح، أي من خلال الاعتصام بالله والرضا بقضائه، والعمل الصالح ابتغاء مرضاة الله -تعالى- وفرجه، ليكون المؤمن قويًّا) (ينظر رسالة: كيف نواجه الشدائد والمخاوف في ضوء الكتاب والسنة؟ - تأليف المستشار الدكتور محمد شوقي الفنجري - هدية مجلة الأزهر - عدد شهر رمضان 1446 هـ، ص 29-30 بتصرف يسير) .
لذا فمن الإيمان بالقضاء والقدر: إيمان المسلم أن ما أصابه ويصيبه من البلاء ما كان ليخطئه، وما أخطأه أو نجا منه ما كان ليصيبه؛ قال الله -تعالى-: ( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (التوبة: 51) ، وفي الحديث قال -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس -رضي الله عنهما-: ( اعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ) (رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ) (رواه الإمام أحمد وصححه الألباني) .
ومما ينبغي أن يُعلم في هذا المقام: أن عظم الأجر والثواب مع عظم المصيبة والبلاء؛ لذا كان الرسل والأنبياء أشد الناس بلاء وأكثرهم عليه أجرًا، ولما سُئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أكثر الناس بلاء قال: ( الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ ) (رواه أحمد والترمذي، وابن ماجه وصححه الألباني) . وفي الحديث المرفوع: ( إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ يُضَاعَفُ لَنَا الْبَلَاءُ كَمَا يُضَاعَفُ لَنَا الأَجْرُ ) (رواه ابن ماجه وأحمد وحسنه الألباني) .
وعن الأسود بن يزيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( أَجْرُكَ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكَ ) (رواه البخاري) ، وعن الإمام أحمد أنه قال: يُبتلى المرء بقدر إيمانه، وكلما اشتد البلاء عظم الثواب.
ونخلص مما تقدم أن الابتلاء في الحياة الدنيا هو أمر حتمي لا خلاص ولا فكاك منه، وذلك لحكمة إلهية؛ لقول الله -تعالى-: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ) (العنكبوت: 2) ، وقوله -تعالى-: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ) (محمد: 31) ، وقوله: ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) (الملك: 2) .
وليكون جزاؤنا في الدنيا والآخرة بحسب جهادنا وصبرنا: قال الله -تعالى-: ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ) (النجم: 39-40) ، وقال الله -تعالى-: ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) (الأحقاف: 19) .
وإن الابتلاء هو في ذاته نعمة، فمن خلاله يُربى الإنسان نفسه، ويُقوَّم سلوكه، كما أنه يتعرف على الله بوعي، ويرتبط به بصدق، ويدعوه -تعالى- مؤمنًا بعفوه وعونه. وقد قيل: إن المصيبة هي عقوبة وتنبيه للغافل والفاسق لقول الله -تعالى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضْرَعُونَ ) (الأعراف: 94) .
وهي نعمة وأجر للمؤمن وزيادة في إيمانه: لقول الله -تعالى-: ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (آل عمران: 173) (المصدر السابق، ص 38-39 بتصرف يسير) .
