شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

منهاج المسلم في مواجهة الابتلاءات والمحن (1-2)

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

وقال الله -تعالى-: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ . فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام: 42-45) .

لذا قيل: من لم يصبر على البلاء لم يرض بالقضاء.

(والقاعدة الذهبية التي أرساها الإسلام في مواجهة الشدائد والمخاوف وسائر أحداث الحياة وأزماتها هي سعي المرء إلى إصلاح ما يمكن إصلاحه أو تغييره، والرضا بما لا يمكن إصلاحه أو تغييره، محتسبًا ذلك عند الله -تعالى- متوكلًا عليه، فلا أحد يستطيع أن يمنع أو يوقف قضاء الله -تعالى- وقدره في ابتلائه، وإنما يستطيع أن يعالج ويداوي نفسه، أو أن يتأقلم ويتعايش مع بلواه مستثمرًا ومستفيدًا منها) (المصدر السابق، ص 40) .

ولذا قيل: من لم يصبر على البلاء لم يرض بالقضاء.

المحور الثاني: الابتلاء يأتي على قدر الاحتمال:

تختلف الابتلاءات والمحن والشدائد من شخص لآخر باختلاف الأشخاص، كل في حدود احتماله، وبقدر ما وهبه الله -تعالى- له من القدرات والإمكانيات، ولكن يجمعها جميعًا أنها برحمة من الله وفضله تكون على قدر احتمال العبد وفي قدرته على الصبر، قال الله -تعالى-: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ? لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) (البقرة: 286) ، وقال -تعالى-: ( رَبَّنَا لَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) (البقرة: 286) . فالعبد غالبًا ما يُبتلى على قدر إيمانه.

ومن محاسن الشريعة الإسلامية: مساعدة أحكامها العبد المبتلى على تخطي الابتلاءات والمحن والمصاعب من خلال ما في الشريعة الإسلامية من صور متعددة من التخفيف وإسقاط لبعض التكاليف في حالات المرض أو المشقة أو العجز؛ قال الله -تعالى-: ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (البقرة: 185) ، وقال الله -تعالى-: ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ) (التوبة: 91) ، وقال الله -تعالى-: ( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) (النور: 61) .

ومن محاسن الشريعة أيضًا: توفير أسباب شرعية لعلاج الكثير من الشدائد والمحن أو الوقاية منها، وهي أسباب معروفة ومجربة، وفي مقدمتها: الدعاء؛ قال الله -تعالى-: ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) (إبراهيم: 7) ، وفي أمر الدعاء قال الله -تعالى-: ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (غافر: 60) ، وفي الحديث المرفوع: ( «مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدُعَاءٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ فِي ‌الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يُكَفَّرَ عَنْهُ مِنْ ذُنُوبِهِ بِقَدْرِ مَا دَعَا، مَا لَمْ يَدْعُ ‌بِإِثْمٍ ‌أَوْ ‌قَطِيعَةِ ‌رَحِمٍ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

وفي الحديث المرفوع: ( إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) . وفي الحديث المرفوع: ( ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

ومن حكمة الله -تعالى- ورحمته بعباده: أن جعل المصيبة تبدأ كبيرة ثم تتضاءل وتصغر بالتدريج، وفي الحديث المرفوع: ( إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى ) (متفق عليه) . وأنه مهما كانت شدة المصيبة فإن التحلي بالصبر والاستعانة بالله -تعالى- وبإدراك حكمته في الابتلاء يتمكَّن العبد من اجتياز الشدة أو المحنة التي يتعرض لها؛ لذا كان الصبر عند المصيبة من أوجب الواجبات على العبد المبتلى، قال -تعالى-: ( وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) (لقمان: 17) ، وقال الله -تعالى-: ( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ) (النحل: 127) ، وقال الله -تعالى-: ( وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) (آل عمران: 146) ، وقال -تعالى-: ( فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ? إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا . وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) (المعارج: 5-7) .

والصبر الجميل هو الصبر الذي لا شكوى ولا جزع فيه: وفي الحديث المرفوع: ( عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَ وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ احْتَسَبَ وَصَبَرَ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

ومن كمال الإيمان بالقضاء والقدر: التسليم لقضاء الله -تعالى- مهما كان، وهذا مما يعين العبد على تخطي المحن والمصاعب مهما اشتدت، وفي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: ( إِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا لَكَانَ كَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ) (رواه مسلم) .

وذلك أن العبد المبتلى إذا عَلِم أن ما قدَّره الله -تعالى- عليه من البلاء والمصيبة هو أمر مكتوب عليه من الأزل ولا مفر من وقوعه، وأن له وقته ثم يزول، استراحت نفسه وذهب حزنه وخف همه، لغلب عليه يقينه بعدل الله -تعالى- ورحمته، وأنه لن يضيعه في الدنيا والآخرة على ما كان عليه من تقواه وإيمانه وصبره، فالله -تعالى- هو الأعلم بمصلحة العبد منه، وسيجزيه عن مصيبته خيرًا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية