منهاج المسلم في مواجهة الابتلاءات والمحن (1-2)
الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيستمد المسلم من تفاصيل الإيمان بالله -تعالى- ومقتضياته، ومن تفاصيل الإيمان بالقدر خيره وشره ومقتضياته، ومن تفاصيل الإيمان باليوم الآخر؛ منهجه العملي في مواجهة الابتلاءات والمحن والشدائد التي يتعرض لها طوال حياته والتعامل معها.
ومدار هذا المنهج على محاور ثلاثة:
الأول: حتمية ابتلاء العباد في الحياة الدنيا.
الثاني: الابتلاء يأتي على قدر الاحتمال.
الثالث: حتمية وقوع الفرج.
والأدلة على هذه المحاور موجودة وثابتة في الكتاب والسُّنة، فإن منهما يستمد المسلم عقيدته ومنهجه.
المحور الأول: حتمية الابتلاء في الدنيا:
وذلك أن الدنيا لكل الناس هي دار اختبار وممر إلى الآخرة، بينما الدار الآخرة هي لهم دار الجزاء والمستقر؛ لذا فالعاقل من كانت همته الآخرة قبل الدنيا، وسعى للآخرة سعيها، ولم ينسَ نصيبه في الدنيا، لكنه لا يجعلها في قلبه ولا تكون منتهى أمله؛ قال الله -تعالى- حاكيًا عن قوم قارون قولهم له ينصحونه لما فيه صلاحه في الدنيا ونجاته في الآخرة: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) (القصص: 77) .
وقال الله -تعالى-: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا . وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا. كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ) (الإسراء: 18-20) .
وقد أكَّد القرآن الكريم على أن الإنسان إنما وُجد في الدنيا ليُبتلى، وأن الابتلاء في الدنيا أمر حتمي لا مفر منه: قال الله -تعالى-: ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) (الملك: 1-2) ، وقال الله -تعالى-: ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (الأنبياء: 35) ، وقال الله -تعالى-: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) (محمد: 31) ، وقال الله -تعالى-: ( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا . إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) (الإنسان: 2-3) .
وقال الله -تعالى-: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (البقرة: 155-157) .
وهذا على خلاف ظن بعض الناس أن ما يصيبه في الحياة من ضر أو فقد ولد أو قلة مال لا بد أن يكون من غضب الله -تعالى- عليه، وهو في ذلك لا يدري أن الابتلاء لأهل الإيمان هو سنة كونية ظاهرها المحنة وباطنها المنحة، وذلك حال الرضا بها والصبر عليها، وعدم الجزع والشكوى منها. فلم يكن ابتلاء الله -تعالى- لنبيه أيوب -عليه السلام- عقابًا له على ذنب أو معصية، ولكن ليكشف للناس مقدار إيمان أيوب -عليه السلام- وثباته وصبره على قضاء الله -تعالى-، والله -تعالى- يقول: ( فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ) (الفجر: 15-16) (الآيات).
وهذا لا ينافي أن الابتلاء في الدنيا قد يصيب العبد المذنب ليتوب وينيب إلى ربه: قال الله -تعالى-: ( وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ) (المؤمنون: 76) ، وقد أخبرنا الله -تعالى- أن ما يصيب الإنسان من سوء يمكن أن يكون بسبب إثم اكتسبه، قال الله -تعالى-: ( وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ ) (النساء: 111) ، مع فتح باب التوبة والإنابة، قال الله -تعالى-: ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) (النساء: 110) ، وقال الله -تعالى-: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) (طه: 82) .
ومن هنا فإن غالب أهل الإيمان إنما يجتازون فترة هذه الابتلاءات والاختبارات المقدرة عليهم ويخرجون منها أكثر قوة وثباتًا، وأكثر امتنانًا وقربًا من الله -تعالى-، وعلى النقيض فإن غالب ضعاف الإيمان لا يحتملون تلك الابتلاءات والاختبارات فيصابون بالإحباط أو الاكتئاب أو اليأس؛ قال الله -تعالى-: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (الحج: 11) .
فالإنسان لا يتعلم ولا يتعرف على حقيقة إيمانه إلا من خلال آلامه وأخطائه التي يتعرض لها وهو في مواجهة الابتلاءات والمحن، والمؤمن الحق عند الشدة والعسر يصبر ويجاهد نفسه، وعند اليسر والنعمة يحمد الله -تعالى- ويشكره، قال الله -تعالى-: ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ? وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (إبراهيم: 7) .
