شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

منهاج المسلم في مواجهة الابتلاءات والمحن (2-2)

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "وقوله: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه -تعالى- بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم. وهذه هي الناسخة الرافعة لما أشفق منه الصحابة في قوله: ( وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) أي: هو وإن حاسب وسأل، لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس حديثها فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة من الإيمان. وقوله: ( لَهَا مَا كَسَبَتْ ) أي: من خير ( وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) أي: من شر. وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف.

ثم قال -تعالى- مرشدًا عباده إلى سؤاله، وقد تكفل لهم بالإجابة كما أرشدهم وعَلَّمهم أن يقولوا: ( رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) أي: إن تركنا فرضًا على جهة النسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك أو أخطأنا أي: الصواب في العمل جهلًا منا بوجهه الشرعي".

ويضيف ابن كثير قائلًا: "وقوله: ( رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ) أي: لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثت نبيك محمدًا -صلى الله عليه وسلم- نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيف السهل السمح".

ويضيف ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله: ( رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) أي: من التكليف والمصائب والبلاء لا تبتلينا بما لا قبل لنا به". (وقوله: ( وَاعْفُ عَنَّا ) أي فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا. ( وَاغْفِرْ لَنَا ) أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة ( وَارْحَمْنَا ) أي: فيما يستقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر. ولهذا قالوا: إن الذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره" (تفسير ابن كثير بتصرف يسير) .

ولا تقتصر سعادة الإنسان على الحصول على السعادة المادية الخارجية كالمال والنفوذ والجاه والمنزلة، لكن هناك كذلك السعادة المعنوية الداخلية، وفي مقدمتها: السعادة بالإيمان وما يصحبه من انشراح النفس والرضا والقناعة والطمأنينة والسكينة، والتي بها يكون غنى الإنسان واستغناء نفسه.

وهذا الفرج ثمرة الصبر وجزاؤه وثمرة التوكل على الله -تعالى-، ومع هذا الفرج يكون شعور العبد بحلاوة الإيمان وراحة البال في الدنيا، ثم الفوز بالجنة في الآخرة؛ قال الله -تعالى-: ( فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) (المعارج: 5-7) ، وقال الله -تعالى-: ( وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ) (الإنسان: 12) . وقال الله -تعالى-: ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (الزمر: 10) .

وينبغي أن نعلم أن من آمن بالله واتقى الله في كافة أقواله وأفعاله فإنه يكون بذلك محصنًا -بفضل الله تعالى- من الخوف أو الحزن؛ قال الله -تعالى-: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (النحل: 97) ، وقال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) (الأنعام: 82) ، وقال الله -تعالى-: ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ) (طه: 112) .

والتزام هذا المنهاج في التعامل مع الابتلاءات والمحن يغرس في المسلم العديد من المعاني والمفاهيم الإيجابية، والتي يبثها في النفس التعامل وفق الشرع مع الابتلاءات والمحن، ومنها:

1- معرفة العبد لحقيقة نفسه: فالعبد ضعيف لا حول له ولا قوة إلا بربه، لذا فالعبد محتاج دائمًا للتوكل على الله -تعالى- حق التوكل، واللجوء إليه حق اللجوء. وعندها تسقط في عين العبد ما هو عليه من العجب والغرور والخيلاء والجاه أو الغفلة والنسيان.

2- معرفة العبد حقيقة الدنيا وزيفها: فالبلاء يكشف للعبد حقيقة الدنيا وزيفها، وأنها متاع الغرور، وإن الحياة الحقيقية هي الحياة في الآخرة، قال الله -تعالى-: ( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (العنكبوت: 64) ، أما الحياة الدنيا فهي دار كد وكبد وتعب، قال الله -تعالى-: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) (البلد: 4) .

فهذا شأن الدنيا فبينما هي مقبلة إذا بها مدبرة، وبينما هي ضاحكة إذا بها عابسة، فما أسرع انقطاعها بعد وصلها، وأسرع الابتلاء فيها بعد نعمائها. وهذه طبيعتها التي ينبغي ألا نغفل عنها، تذكرنا بها الابتلاءات والمحن لنستعيد رشدنا ونستعد للآخرة. يقول الشاعر:

فاعمل لدار غد رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيهـا

قصورها ذهب والمسك تـرابها والزعفران حشيش نابت فيها

3- البلاء يذكر العبد بفضل العافية: فالمصائب والمحن التي تعكر علينا صفو حياتنا تبين لنا بأبلغ بيان، وأصرح برهان مقدار ما كنا عليه من العافية لسنين طويلة قبلها، ولم نكن نقدرها حق قدرها، وكم قد قصرنا في شكر الله -تعالى- عليها. ومن هذا جاء قولهم: "الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى".

4- البلاء لا يجعل العبد يفرح فرحًا طاغيًا حال حلول النعم، ولا يأسَ أسى مثبطًا يوقع في اليأس حال وقوع النقم: والله -تعالى- يقول: ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (الحديد: 22-23) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية