شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

منهاج المسلم في مواجهة الابتلاءات والمحن (2-2)

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

5- البلاء ينبه العبد بما في نفسه من العيوب، فيمنحه الفرصة ليتوب منها، والله يقول: ( وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ) (النساء: 79) ، ويقول الله -تعالى-: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) (الشورى: 30) . والبلاء عذاب دنيوي أدنى ينبهنا لنتوب ولننجو من العذاب الأكبر يوم القيامة، وهذا يدخل في عموم قول الله -تعالى-: ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (السجدة: 21) .

6- البلاء يعلمنا الصبر بصورة عملية: وما أحوج الإنسان -كل إنسان- إلى الصبر وقوة التحمل في حياته الدنيوية، بل لن يستطيع العبد الثبات على الحق إلا بالصبر وقوة التحمل. والمراد بالصبر: الصبر بكل أنواعه، الصبر على طاعة الله عز وجل، والصبر على الامتناع عن معصية الله عز وجل، ثم استكمال صور الصبر بالصبر على أقدار الله -تعالى- المؤلمة، ويا لها من منزلة، قال الله -تعالى-: ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ).

ولا شك أن كل هذه الدروس ما كان ليتم الاستفادة منها وجني ثمارها تلك إلا بالتعرض للابتلاءات والمحن عمليًّا، ومعاناة قسوتها التي تدفع الإنسان دفعًا إلى مراجعة أحواله والتعديل فيها، فلا يكفي الكلام النظري المكتوب على الورق إن لم يبتل صاحبه ابتلاء عمليًّا حقيقيًّا، فإذا نزل البلاء بالعبد واجتازه بنجاح بتوفيق الله -تعالى- له تحول الأمر إلى واقع عملي يعيشه العبد. وهذه حكمة ظاهرة للبلاء في حياة الإنسان لا تنكر.

وقد أدرك سلفنا الصالح تلك المعاني وهذه الحكم العالية، واستوعبوها جيدًا؛ لذا ضربوا أروع الأمثال في الصبر والثبات والاحتساب، من أمثلة ذلك:

ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يحمد الله -تعالى- على البلاء إن أصابه، ولما سئل عن ذلك قال: "ما أصبت ببلاء إلا كان لله عليَّ فيه أربع نعم: أنه لم يكن في ديني، وأنه لم يكن أكبر منه، وأني لم أحرم الرضا والصبر، وأني أرجو ثواب الله -تعالى- عليه".

ما ذكر عن عروة بن الزبير رحمه الله أنه لما أصيب في قدمه وقرر الأطباء قطعها لم يزد عن قوله: "اللهم لك الحمد، فإن أخذت فقد أبقيت، وإن ابتليت فقد عافيت"، ولما سئل عن ذلك قال: "كان لي أربعة أطراف فأخذ الله واحدًا وبقي لي ثلاثة"، "وعافاني فيما مضى من حياتي، ثم ابتلاني اليوم بما ترون، أفلا أحمده على ذلك".

ومن الأمور الواجبة عند الابتلاء الحرص على الاحتساب وطلب الأجر والثواب من الله -تعالى-، على أن يكون ذلك الأمر بإخلاص وفي خفية، مع إيقانك أن الله -تعالى- الذي ابتلاك يراك، ويعلم ما بك، وينظر إلى أعمالك ويسمع أقوالك، وهو أرحم بك من نفسك ومن الناس أجمعين، فاحذر الشكوى إلا إليه، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:

إذا شـكـوت إلى ابن آدم فـكـأنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

لا تنسَ أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وأن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، ودع الجزع فإنه لن يفيدك شيئًا، وإنما سيضاعف من مصيبتك، ويفوت عليك أجرها، ويعرضك للإثم.

لا تنسَ مهما بلغ مصابك فإنه لن يبلغ مصاب الأمة جمعاء بفقدها للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فتعز بذلك، جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ( إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ بِي، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ ) (رواه البيهقي وصححه الألباني) .

وأخيرًا لا تنس عند المصيبة أن تقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها"؛ فإنك إن قلتَ ذلك أجارك الله -تعالى- في مصيبتك، وخلفها عليك بخير؛ قال الله -تعالى-: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (البقرة: 155-157) .

الصفحة السابقة