شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

منهاج المسلم في مواجهة الابتلاءات والمحن (2-2)

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المحور الثالث: حتمية الفرج:

وهذا من فضل الله -تعالى- على عباده أن جعل الفرج بعد الابتلاء حتميًّا، وهو مشاهد معلوم لا ينكر؛ لذا قيل: "ما ضاقت إلا فرجت"، ومن المحنة تكون المنحة.

وفي هذا يقول الشاعر:

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظـنـها لا تـفـرج

وقد دلت إلى حتمية الفرج بعد الابتلاء أدلة من الكتاب والسُّنة؛ منها:

1- قول الله -تعالى-: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) (الشرح: 5-6) ، فلا يخلو العسر مهما طال من يسر يتبعه، ويدل على قرب اليسر بعد العسر استخدام كلمة (مع) في قول الله -تعالى- ( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا )، فهي معية مقاربة أو امتزاج تشعر بسرعة مجيء اليسر بعد العسر، ولن يغلب عسر يسرين.

قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره: (وقوله: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) بشارة عظيمة، أنه كلما وجد عسر وصعوبة فإن اليسر يقارنه ويصاحبه، حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر فأخرجه، كما قال -تعالى-: ( سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا )، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) . وتعريف (العسر) في الآيتين واحد، يدل على أنه واحد، وتنكير (اليسر) دليل على تكراره، فلن يغلب عسر يسرين. وفي تعريفه بالألف واللام الدالة على الاستغراق والعموم دلالة على أن كل عسر -وإن بلغ من الصعوبة ما بلغ-، فإنه في آخره التيسير ملازم له.

2- قول الله -تعالى-: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) (الطلاق: 2-3) .

قال الشيخ السعدي في تفسيره: "وأن من اتقاه في الطلاق وغيره فإن الله يجعل له فرجًا ومخرجًا".

وأضاف: "والآية وإن كانت في الطلاق والرجعة فإن العبرة بعموم اللفظ، فكل من اتقى الله -تعالى- ولازم مرضاة الله في جميع أحواله فإن الله يثيبه في الدنيا والآخرة. ومن جملة ثوابه أن يجعل له فرجًا ومخرجًا من كل شدة ومشقة. وكما أن من اتقى جعل الله له مخرجًا فمن لم يتق الله وقع في الشدائد والآصار والأغلال التي لا يقدر على التخلص منها والخروج من تبعاتها".

3- قول الله -تعالى-: ( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ) (الطلاق: 7) .

قال الشيخ السعدي: "( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ): وهذا مناسب للحكمة والرحمة الإلهية حيث جعل كلًّا بحسبه، وخفف عن المعسر، وأنه لا يكلفه إلا ما آتاه، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، في باب النفقة وغيرها. ( سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ) وهذه بشارة للمعسرين، أن الله -تعالى- سيزيل عنهم الشدة ويرفع عنهم المشقة (( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا )".

4- قول الله -تعالى- في سورة يوسف: ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) (يوسف: 110) .

قال ابن كثير رحمه الله: "يذكر -تعالى- أن نصره ينزل على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله في أحوج الأوقات إلى ذلك، كقوله -تعالى-: ( وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ) الآية".

5- قول الله -تعالى- في حق أسرى بدر من المشركين ممن دفعوا الفدية لإطلاق سراحهم: ( إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (الأنفال: 70) .

6- قول الله -تعالى-: ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) (آل عمران: 140) .

7- قول الله -تعالى- في حقِّ أنبيائه ومن قاتل معهم من أتباعهم الربانيين: ( فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (آل عمران: 146 – 148) .

8- قول الله -تعالى- في ختام سورة البقرة: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (البقرة: 286) .

الصفحة التالية